بيدَ أنّ بعض العلماء لاحظ أنّ هذه الأوجه ليست معاني موضوع لها اللفظ بالاشتراك اللفظي ، بل بعضها داخل في البعض فجاء ذكرها من باب اشتباه المفهوم بالمصداق ، كما أنّ بعضها الآخر غير ثابت في نفسه « 1 » .
العنصر المهمّ الذي يلحظ في مثل قوله سبحانه : وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 2 » أنّ القضاء الإلهى إذا انبسط على شئ فلا يتخلّف المقضى عنه ، أي : إذا اقتضت الإرادة الإلهية شيئاً فلا يمكن أن يتخلّف المراد .
ثَمّ عنصر آخر حرىّ بالتثبيت يعزى إلى بعض اللغويين ، ذهب فيه إلى أنّ استعمالات القضاء ترجع نهاية المطاف إلى حقيقة واحدة ، « 3 » وما المعاني المتعدّدة إلّا تنوّعات في مصاديق تلك الحقيقة أو ذلك المعنى ، وهو ما قد ينفعنا في الأجزاء اللاحقة من البحث .
أمّا القدر فقد جاء استعماله هو الآخر بكثافة في القرآن عبر عشرات الآيات ، حيث تفاوتت معانيه تبعاً لتنوّع الاستعمالات ؛ من ذلك قوله سبحانه : وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّى أَهَانَنِ « 4 » ، بمعنى التضييق ، وقوله : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ « 5 » بمعنى التعظيم ، كما استعمل في مبلغ الشئ ومقداره ، على نحو ما هو في قوله سبحانه : جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْراً « 6 » ، وقوله : وَكُلُّ شَىْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ « 7 » ، وقوله : وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 8 » ، وقوله : إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ « 9 »
هامش
( 1 ) ينظر : صراط الحقّ ، مصدر سابق ، ج 1 ، ص 274 .
( 2 ) البقرة : 117 .
( 3 ) كما ذهب إلى ذلك الزهري والرازي على ما ينقل عنهما صاحب اللسان ، وانتبه إليه غير واحد من الباحثين المعاصرين مثل الشيخ آصف محسنى وتبعه عليه الشيخ سبحانى .
( 4 ) الفجر : 16 .
( 5 ) الأنعام : 91 .
( 6 ) الطلاق : 3 .
( 7 ) الرعد : 8 .
( 8 ) الحجر : 21 .
( 9 ) القمر : 49 .