المعرفة بين منهجين
بعد أن ينتهى الشيرازي من استعراض ما أطلق عليه بالمذاهب الأربعة ، يقول : « فهذا ما عندي من مسألة خلق الأعمال التي اضطربت فيها أفهام الرجال » « 1 » . ثمّ يعود بعدئذ للحثّ على معرفة النفس كطريق لمعرفة الله وما يرتبط بالتوحيد من بحوث ، بما فيها الموقف من الأفعال « 2 » .
في الحقيقة لا تقتصر الدعوة إلى معرفة النفس كسبيل إلى معرفة الخالق على الشيرازي وحده ، بل هي تبرز كمنهجية في المعرفة بإزاء المنهجيّات الأخرى . وجذور هذا المنهج يعود إلى القرآن الكريم نفسه وإلى الروايات والأحاديث الواردة عن الرسول الأعظم وأئمّة أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين . وما دام الشيرازي قد أثار الحديث عن هذه النقطة بمناسبة بيان موقفه من الأفعال ، فمن الحرىّ بنا أن نستفيد من الفرصة ونتوفّر على إضاءات عامّة لمعنى هذا المنهج المعرفى .
لا ريب أنّ القرآن الكريم هو الذي وضع حجر الأساس لهذا النمط من المعرفة ، في قوله سبحانه : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الْآفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ « 3 » ، فالطريق الأنفسى في الآية هو سبيل إلى معرفة الله يأتي إلى جوار الطريق الآفاقي ، وستكشف الأحاديث الشريفة تقدّم الطريق الأنفسى على الطريق الآفاقي . من الآيات الأخرى الدالّة على النهج ذاته قوله سبحانه : وَفِى الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِى أَنْفُسِكُمْ أَ فَلَا تُبْصِرُونَ « 4 » .
هامش
( 1 ) المصدر السابق ، ص 377 .
( 2 ) الحكمة المتعالية ، مصدر سابق ، ج 6 ، ص 377 فقرة بعنوان : « تمثيل فيه تحصيل » .
( 3 ) فصّلت : 53 .
( 4 ) الذاريات : 21 20 .