جديد .
ولا يعتبر عندنا في الرجعة حضور الشاهدين كما يعتبران في الطلاق ،
وإن استحب ذلك ( 1 ) . ولا يعتبر فيها لفظ مخصوص ، بل يكفي كل ما دل عليها
حتى الإشارة ، وتعود زوجته له كما كانت .
هامش
( 1 ) أهدى إلينا هذا العام العلامة المتبحر الأستاذ أحمد محمد شاكر ، القاضي الشرعي بمصر
أيده الله مؤلفة الجليل : ( نظام الطلاق في الاسلام ) فراقني وأعجبني ، ووجدته من أنفس
ما أخرجه هذا العصر من المؤلفات ، فكتب إليه كتابا نشره هو حفظه الله في مجلة
( الرسالة ) الغراء ( عدد 157 ) بعد تمهيد مقدمة قال فيها :
ومن أشرف ما وصل إلي وأعلاه ، كتاب كريم من صديقي الكبير ، وأستاذي الجليل ،
شيخ الشريعة ، وإمام مجتهدي الشيعة بالنجف الأشرف ، العلامة الشيخ محمد حسين آل
كاشف الغطاء ، فقد تفضل حفظه الله بمناقشة رأيي في مسألة من مسائل الكتاب ، وهي
( مسألة اشتراط الشهود في صحة مراجعة الرجل مطلقته ) فإنني ذهبت إلى : اشتراط حضور
شاهدين حين الطلاق ، وأنه إذا حصل الطلاق في غير حضرة الشاهدين لم يكن طلاقا ، ولم
يعتد به . وهذا القول وإن كان مخالفا للمذاهب الأربعة المعروفة ، إلا أنه يؤيده الدليل ،
ويوافق مذهب الأئمة من أهل البيت والشيعة الإمامية .
وذهبت أيضا إلى اشتراط حضور شاهدين حين المراجعة ، وهو يوافق أحد قولين للإمام
الشافعي يخالف مذهب أهل البيت والشيعة ، واستغربت من قولهم أن يفرقوا بينهما ، والدليل
واحد فيهما ، فرأى الأستاذ بارك الله فيه أن يشرح لي وجهة نظرهم في التفريق بينهما
فقال : بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد والمجد
من النجف الأشرف ( 8 صفر 1355 ) إلى مصر .
لفضيلة الأستاذ العلامة ، المتبحر النبيل ، الشيخ أحمد محمد شاكر المحترم أيده الله .
سلامة لك وسلام عليك .
وصلتني هديتك الثمينة ( رسالة نظام الطلاق في الاسلام ) فأمعنت النظر فيها مرة ، بل
مرتين ، إعجابا وتقديرا لما حوته من غور النظر ، ودقة البحث ، وحرية الفكر ، وإصابة هدف
الحق والصواب ، وقد استخرجت لباب الأحاديث الشريفة ، وأزحت عن محيا الشريعة
الوضاء أغشية الأوهام ، وحطمت قيود التقليد الذميمة ، وهياكل الجمود بالأدلة القاطعة ،
والبراهين الدامغة ، فحياك الله ، وحيا ذهنك الوقاد ، وفضلك الجم .
وأمهات مباحث الرسالة ثلاث :
( 1 ) طلاق الثلاث .
( 2 ) الحلف بالطلاق والعتاق .
( 3 ) الإشهاد على الطلاق .
وكل واحدة من هذه المسائل قد وفيتها حقها من البحث ، وفتحت فيها باب الاجتهاد
الصحيح على قواعد الفن ، ومدارك الاستنباط القويم ، من الكتاب السنة ، فانتهى بك السير
على تلك المناهج القويمة إلى مصاف الصواب ، وروح الحقيقة ، وجوهر الحكم الإلهي ،
وفرض الشريعة الاسلامية ، وقد وافقت آراؤك السديدة في تلك المسائل ما اتفقت عليه
الإمامية من صدر الاسلام إلى اليوم ، ولم يختلف منهم اثنان ، حتى أصبحت عندهم من
الضروريات .
كما اتفقوا على عدم وجوب الإشهاد على الرجعة ، مع اتفاقهم على لزومه في الطلاق ،
بل الطلاق باطل عندهم بدونه .
وقد ترجح عندك قول من يقول بوجوب الإشهاد فيهما معا ، فقلت ( في صفحة 120 ) :
وذهبت الشيعة إلى وجوب الإشهاد في الطلاق ، وأنه ركن من أركانه كما في كتاب ( شرائع
الاسلام ) ولم يوجبوه في الرجعة ، والتفريق بينهما غريب ولا دليل عليه ، إنتهى .
وفي كلامك هذا أيدك الله نظر ، أستميحك السماح في بيانه ، وهو : إن من الغريب
حسب قواعد الفن مطالبة النافي بالدليل والأصل معه ، وإنما يحتاج المثبت إلى الدليل ،
ولعلك ثبتك الله تقول : قد قام الدليل عليه ، وهو ظاهر الآية على ما ذكرته في صفحة
( 118 ) حيث تقول : والظاهر من سياق الآية إن قوله تعالى [ وأشهدوا ] راجع إلى الطلاق
والى الرجعة معا . . إلى آخر ما ذكرت .
وكأنك أنار الله برهانك لم تمعن النظر هنا في الآيات الكريمة كما هي عادتك من
الامعان في غير هذا المقام ، وإلا لما كان يخفى عليك أن السورة الشريفة مسوقة لبيان
خصوص الطلاق وأحكامه ، حتى أنها قد سميت بسورة الطلاق ، وابتدأ الكلام في صدرها
بقوله تعالى : [ إذا طلقتم النساء ] ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدة ، أي لا يكون
في طهر المواقعة ولا في الحيض ، ولزوم إحصاء العدة ، وعدم اخراجهن من البيوت ، ثم
استطرد إلى ذكر الرجعة من خلال بيان أحكام الطلاق ، حيث قال عز شأنه : [ فإذا بلغن
أجلهن فأمسكوهن بمعروف ] أي إذا أشرفن على الخروج من العدة فلكم إمساكهن بالرجعة
أو تركهن على المفارقة ، ثم عاد إلى تتمة أحكام الطلاق ، فقال : [ وأشهدوا ذوي عدل
منكم ] أي في الطلاق الذي سبق الكلام لبيان أحكامه .
ويستهجن عوده إلى الرجعة التي لم تذكر إلا تبعا واستطرادا ، ألا ترى لو قال القائل : إذا
جاءك العالم وجب عليك احترامه وإكرامه ، وأن تستقبله سواء جاء وحده أو مع خادمه أو
رفيقه ، ويجب [ عليك ] المشايعة وحسن الموادعة ، فإنك لا تفهم من هذا الكلام إلا وجوب
المشايعة والموادعة للعالم لا له ولخادمه ورفيقه ، وإن تأخرا عنه . وهذا لعمري حسب
القواعد العربية والذوق السليم جلي واضح ، لم يكن ليخفى عليك وأنت خريت
العربية لولا الغفلة ، والغفلات تعرض للأريب .
هذا من حيث لفظ الدليل وسياق الآية الكريمة ، وهنالك ما هو أدق وأحق بالاعتبار ، من
حيث الحكمة الشرعية ، والفلسفة الاسلامية ، وشموخ مقامها ، وبعد نظرها في أحكامها ،
وهو : أن من المعلوم أنه ما من حلال أبغض إلى الله سبحانه من الطلاق ، ودين الاسلام كما
تعلمون جمعي اجتماعي ، لا يرغب في أي نوع من أنواع الفرقة ، ولا سيما في العائلة
والأسرة ، وعلى الأخص في الزوجية بعد ما أفضى كل منهما إلى الآخر بما أفضى . فالشارع
بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة ، فكثر قيوده وشروطه على القاعدة
المعروفة من أن الشئ إذا كثرت قيوده عز ، أو قل وجوده ، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط
أولا ، وللتأخير والاناءة ثانيا ، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما
عندها يحصل الندم ، ويعودان إلى الألفة كما أشير إليه بقوله تعالى : [ ولا تدري لعل الله
يحدث بعد ذلك أمرا ] وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين لا شك أنها ملحوظة للشارع
الحكيم ، مضافا إلى الفوائد الأخر .
وهذا كله بعكس قضية الرجوع فإن الشارع يريد التعجيل به ، ولعل للتأخير آفات ، فلم
يوجب في الرجعة أي شرط من الشروط تصح عندنا معشر الإمامية بكل ما دل عليه من قول
أو فعل أو إشارة .
ولا يشترط فيها صيغة خاصة كما يشترط في الطلاق ، كل ذلك تسهيلا لوقوع هذا الأمر
المحبوب للشارع الرحيم بعباده ، والرغبة الأكيدة في ألفتهم وعدم تفرقهم . وكيف لا يكفي
في الرجعة حتى الإشارة ولمسها ووضع يده عليها بقصد الرجوع ، وهي أي المطلقة
الرجعية عندنا معشر الإمامية لا تزال زوجة إلى أن تخرج من العدة ، ولذا ترثه ويرثها ،
وتغسله ويغسلها ، وتجب عليه نفقتها ، ولا يجوز أن يتزوج بأختها وبالخامسة ؟ إلى غير ذلك
من أحكام الزوجية .
فهل في هذه كلها مقنع لك في صحة ما ذهبت إليه الإمامية من عدم وجوب الإشهاد في
الرجعة بخلاف الطلاق ؟ فإن استصوبته حمدنا الله وشكرناك ، وإلا فأنا مستعد للنظر في
ملاحظاتك وتلقيها بكل ارتياح ، وما الغرض إلا إصابة الحقيقة ، واتباع الحق أينما كان ، ونبذ
التقليد الأجوف والعصبية العماء ، أعاذنا الله وإياكم منها ، وسدد خطواتنا عن الخطأ
والخطيئات إن شاء الله ، ونسأله تعالى أن يوفقكم لأمثال هذه الآثار الخالدة ، والأثريات
اللامعة ، والمآثر الناصعة ، [ والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ] ولكم
في الختام أسنى تحية وسلام من :
محمد الحسين آل كاشف الغطاء
ملاحظة : ومن جملة المسائل التي أجدت فيها البحث والنظر : بطلان طلاق الحائض ،
وقد غربلت حديث ابن عمر بغربال الدقيق ، وهذه الفتوى أيضا مما اتفقت عليه الإمامية ،
وهي : بطلان طلاق الحائض إلا في موارد استثنائية معدودة .
هذا هو نص كتاب الأستاذ شيخ الشريعة ، لم أحذف منه شيئا إلا كلمة خاصة لا علاقة
لها بالموضوع ، وإنما هي عن تفضله بإهداء بعض كتبه إلي ، وسأحاول أن أبين وجهة
نظري ، وأناقش أستاذي فيما رآه وأختاره بما يصل إليه جهدي في عدد قادم إن شاء الله .
أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي
هذا تمام ما نشره فضيلة القاضي في ذلك العدد ، ثم تعقبه في عدد ( 159 ) وعدد ( 160 )
بمقالين أسهب فيهما بعض الاسهاب ، مما دل على طول باع ، وسعة اطلاع ، واستفراغ
وسع ، في تأييد نظريته ، وتقوية حجته ، وكتبنا الجواب عنهما ، وأعرضنا عن ذكر تلك
المساجلات هنا ، خوف الإطالة والخروج عن وضع هذه الرسالة التي أخذنا على أنفسنا فيها
بالايجاز ، فمن أراد الوقوف عليها فليراجع أعداد مجلة ( الرسالة ) الغراء يجد في مجموعات
تلك المراجعات فوائد جمة ، وقواعد لعلها في الفقه مهمة . وإن الحقيقة منتهى القصد . " منه
قدس سره " .