حديث
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الذي هو من أهم الواجبات شرعا وعقلا ، وهو أساس من أسس دين
الاسلام ، وهو من أفضل العبادات ، وأنبل الطاعات ، وهو باب من أبواب
الجهاد ، والدعوة إلى الحق ، والدعاية إلى الهدى ، ومقاومة الضلال
والباطل ، والذي ما تركه قوم إلا وضربهم الله بالذل ، وألبسهم لباس البؤس ،
وجعلهم فريسة لكل غاشم ، وطعمة كل ظالم .
وقد ورد من صاحب الشريعة الاسلامية ، وأئمتنا المعصومين صلوات
الله عليهم ، في الحث عليه ، والتحذير من تركه ، وبيان المفاسد والمضار في
إهماله ما يقصم الظهور ، ويقطع الأعناق . والمحاذير التي أنذرونا بها عند
التواكل والتخاذل في شأن هذا الواجب قد أصبحنا نراها عيانا ، ولا نحتاج
عليها دليلا ولا برهانا .
ويا ليت الأمر وقف عند ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولا
يتجاوزه إلى أن يصير المنكر معروفا والمعروف منكرا ، ويصير الآمر
بالمعروف تاركا له ، والناهي عن المنكر عاملا به ، فإنا لله وإنا إليه راجعون
[ ظهر الفساد في البر والبحر ] ( 1 ) فلا منكر مغير ، ولا زاجر مزدجر . لعن الله
الآمرين بالمعروف التاركين له ، الناهين عن المنكر العاملين به ( 2 ) .
هامش
( 1 ) الروم 30 : 41 .
( 2 ) ولله دين الاسلام ما أوسعه وأجمعه لقوانين السياسة الدينية والمدنية ، وأمهات أسباب الرقي
والسعادة . فلما جعل الشارع الأحكام ، ووضع الحدود والقيود للبشر ، والأوامر والنواهي
بمنزلة القوة التشريعية ، احتاج ذلك إلى قوة تنفيذية ، فجعل التنفيذ على المسلمين جميعا ،
حيث أوجب على كل مسلم ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ليكون كل واحد قوة
تنفيذية لتلك الأحكام ، فكلكم راع وكلكم مسؤول [ عن رعيته ] ، والجميع مسيطر على
الجميع . فإذا لم تنجح هذه القوة ، ولم يحصل الغرض منها بحمل الناس على الخير ،
وكفهم عن الشر ، فهناك ولاية ولي الأمر ، والراعي العام ، والمسؤول المطلق ، وهو الإمام أو
السلطان المنصوب لإقامة الحدود على المجرمين ، وحفظ ثغور المسلمين .
وفي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والعمل به من الفوائد والثمرات ، وعظيم
الآثار ، ما يضيق عنه نطاق البيان في هذا المقام ، ولكن هل تجد مثل هذه السياسة في دين
من الأديان ؟ وهل تجد أعظم وأدق من هذه الفلسفة أن يكون كل انسان رقيبا على الآخر ،
ومهيمنا عليه ؟
وعلى كل واحد واجبات ثلاثة : أن يتعلم ويعمل ، وأن يعلم ، وأن يبعث غيره على العلم
والعمل ؟
فتأمل وأعجب بعظمة هذا الدين ، وأعظم من ذلك وأعجب من حالة أهليه اليوم ، فلا
حول ولا قوة إلا بالله . " منه قدس سره " .