وكذبهم على أهل الكتاب من اليهود ، ألفَ عبرة وعبرة لنا .
وفي الواقع ؛ فإن الآيات القرآنية تحدثنا عن قضية معينة ، ولكن من خلال أفق أوسع بحيث إننا لو استندنا إلى آية قرآنيةواحدة لاستطعنا من خلال منظارها أن نرى العالم كله . فعلى الرغم من أن الآية الواحدة تبين لنا حقيقة خاصة إلا أنهاتضمنت أيماءً وإشارة إلى سائر الحقائق الكونية ، وهذا من معاجز القرآن الكريم .
والآيات التي أوردناها في مقدّمة هذا البحث يمكننا أن نستوحي منها القواعد التي لابد أن ننطلق منها لبناء صرحالحضارة الإسلامية الشامخ ؛ بمعنى أننا لو استلهمنا من هذه الآيات كل معانيها السامية لاستطعنا أن نحوّلها إلى برامجعملية لقهر التخلّف الحضاري الذي نعاني منه .
ما هي الحضارة الحقيقية ؟
والحضارة هي : حضور الإنسان عند الإنسان ، وتعاونه ، وتفاعله معه ، ابتداءً من الحضور المادي وانتهاءً بالتفاعلالمعنوي ، ومروراً بالتعاون العملي ، وهذه البنود هي التي تشكل قواعد الحضارة .
والقرآن الكريم لا يريد لنا أن نكون صوريين قشريين نتحدث فقط عن الإنجازات والمكاسب والبنى الفوقيةللحضارة ، أو عن القشور الخارجية للتقدم ، بل يريد منا أن نكون موضوعييّن ، واقعيين ، من ذوي الألباب ؛ فإن تحدثناعن شيء تحدثنا عن خلفيّاته ، وعن أول نشأته ، وعن طريقة نموّه وتكامله ، ولا نكتفي بالحديث عندما انتهى إليه .
والقرآن عندما يحدثنا عن المجتمع الإسلامي الفاضل الذي بناه ، وشيّد صرحه رسول الإسلام سيدنا محمدصلى الله عليه وآله وسلم فيالمدينة المنورة فإنه لا يحدثنا عن طبيعة البيوت ، وطريقة تعبيد الطرق ، ولا عن أسلوب بيعهم وشرائهم ، بل يحدثنا عنأمر آخر ؛ عن قواعد الحضارة ، وتلك الروح الكبيرة التي استطاعت أن تستوعب شتات
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 32
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٢