الجهاد وراء ظهره متصوراً أن ذلك سوف ينجيه من نار جهنم .
التدافع سنة إلهية
إن اللَّه سبحانه وتعالى يؤكد في كتابه الكريم على حقيقة ( التدافع ) كسنة إلهية ، فيقول : ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِالنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَاللَّهَ لَقَويٌ عَزِيزٌ ) ( الحج / 40 ) . إن المساجد بحاجة إلى رجال يدافعون عن حريمها وحرمتها ، فاللجوء إلى قمةجبل والانشغال بالعبادة وترك المجتمع يتضور جوعاً ويتعرض إلى الجهل والاستعباد ، إن هذا العمل ليس له قيمة عنداللَّه سبحانه .
وقد روي أنه لما توفي ابنٌ لعثمان بن مظعون فاشتد حزنه عليه حتى اتخذ من داره مسجداً يتعبد فيه ، فبلغ ذلك رسولاللَّهصلى الله عليه وآله وسلم فأتاه فقال له :
( يا عثمان ؛ ان اللَّه تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية ، إنما رهبانة أمتيالجهاد في سبيل اللَّه . . ) « 1 »
وقالصلى الله عليه وآله وسلم :
( سياحة أمتي الجهاد ) « 2 » ،
فالدين الذين لا يتدخل فيالشؤون الاجتماعية والسياسية للمجتمع لا يمكن أن يحقق أهدافه المرجوة ، حتى النبي عيسىعليه السلام لم يكن ديدنه - كمايتصور البعض خطأ - الرهبنة وترك الدنيا ، بل إنها ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ) ( الحديد / 27 ) .
إن الرهبانية التي يراها الرسول الأكرمصلى الله عليه وآله وسلم هي التوكل على اللَّه والدفاع المستميت عن قيم السماء ، عبر الجهاد في سبيل اللَّه ومقاومة الظلم ومحاربة الأعداء . وهذا هو المعنى الحقيقي للرهبنة التي يقول فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم :
( رهبانية أمتي الجهاد ) . .
أي أن قيمة التسامي والتقرب إلى اللَّه تكمن في جوهر التصدي لقيم الزيف والزيغ والباطل ؛ بل حتى سياحة الإنسان المؤمن وفرحه وانسه تكمن في الذود عن
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 170
( 2 ) - المصدر ، ج 40 ، ص 328