صومعة في أعلى جبل وترهبن فيها ذاكراً وصائماً ، قائماً وقاعداً ، متوجهاً إلى البارئ تعالى ، فإن هذا العمل سوف يقربه إلى اللَّه سبحانه ويحصل على السعادة الحقيقية .
والفريق الثالث تلحظه تاركاً الآخرة مطلقاً ، فهو لا يرى حتى باب المسجد ، وقد وضع القيم وآيات الكتاب المجيد وراءظهره ، فيهرب من ( قيود ) قيم السماء كهروبه من الأسد .
إن هذه الفرق والأقسام الثلاثة من الناس كلهم سوف يكونون إدام النار وحطب نار جهنم ؛ فالذي يترك أهله ومجتمعهجائعين ويدع أمته عرضة لصولات وجولات العدو المستكبر ، ويلتجئ إلى كهف أو صومعة أو . . مثل هذا الإنسانيكون أقرب إلى عدم التقيد والالتزام بحقائق القيم السماوية وإن تمسك وتنسّك بظاهرها وقشورها .
إن اللَّه سبحانه فرض على الناس واجبات وفرائض ، كالجهاد والكد على العيال ، كما أوجب الأمر بالمعروف والنهي عنالمنكر . . وهذه الفرائض هي من صميم القيم الإلهية التي سنّها سبحانه لتحقيق سعادة الناس في الدنيا والآخرة معاً .
وفي هذا المجال يروى أن الإمام الحسينعليه السلام لدى خروجه إلى كربلاء دعا بعض أهل المدينة للحاق به والوقوف أمامظلم وفساد يزيد وبني أمية ، فأجابه قائلًا : إن صلاة ركعتين في مسجد النبي أثوب عندي من أن أخرج معك ! ؟ . . إن هذإ ؛ الكلام بعيد عن روح الدين وحقائق الواقع ، لأن هذه الأماكن المقدسة كمسجد النبي والكعبة المشرفة ، لم تسلم أيضاً منجرائم وبطش يزيد وزبانيته حينما اعتدت جيوش يزيد على الكعبة المشرفة ورشقوها بالمنجنيق فأخذ الدم يسيل فيداخل المسجد الحرام ، وانتهكت أعراض المؤمنين والمؤمنات في مدينة الرسول ، حتى لم تسلم بنت في هذه المدينة حينها من الاعتداء الجنسي !
إن هذا الشخص وأمثاله يتصورون أن مجرد الانصراف لأداء بعض الركعات سوف يضفي قدسيةً على الدين وقيمه ، إنهوأمثاله ترك حمل السلاح وجعل فريضة
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات) — صفحة 23
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٣