المقيتة ، لتغيير هذه الأجواء ، وليس للاستفادة منها . فأكد على عدم الفرق بين الناس ، وأنّهم سواسية كأسنان المشط ، وأنّ عدالة الرب وقوانينه هي الفيصل بين أولاد آدم .
وهكذا الأنبياء الآخرون ، ولا سيما أولو العزم منهم ، حيث كانت رسالاتهم تخاطب الإنسان لإنقاذه من كلّ دنس ، والأخذ بيده نحو كلّ فضيلة . .
لقد كانت مهمّتهم هداية البشرية إلى الاعتراف بالخالق وتوحيده ، ومن ثم القيام ضد كلّ ما من شأنه الوقوف بوجه الإنسان ، ومنعه عن التكامل وصياغة الحياة الصالحة والاستفادة منها .
ولذلك ما كان الأنبياء والرسل يولون الرأي العام الجاهلي أهمية تذكر ، ولو كان من المقرر أن يتأثّروا بما يؤلّبه عليهم أصحاب القدرة والنفوذ ، لما أصبحوا رسلًا أو أنبياء ، بل لنقل إنّ ثبات أصحاب الرسالات السماوية كان أقوى من الضغوط مهما تصاعدت حدتها عليهم .
ولو كان نبي من الأنبياء يأخذ برأي الأكثرية ، لساوم وداهن وخنع لعروض الآخرين ، ولرضي - مثلًا - أن يعبد الأصنام يوماً ، وأن يعبد الكفار ربّه يوماً آخر . فحينما حاصر النبي الأكرم مدينة الطائف ثلاثة أشهر ، حتى ضاق أهلها ذرعاً بالحصار ، عرضوا عليه أن يعبدوا الله يوماً ويعبد هو أصنامهم يوماً ، فيستسلموا له . ولكنّه رفض هذا العرض رفضاً مطلقاً ، ممّا اضطرهم إلى التنازل والاعتراف بالله وبنبوته . فإذا كان الباطل يأخذ أشكالًا متعددة ومتفاوتة ، فإن الحق يبقى حقاًّ وبصورة واحدة مطلقة .
هنا تكمن صعوبة حركة الأنبياء ، حيث كانوا يقاومون أنواع التيارات الجاهلية الباطلة ، التي تأخذ صور الحياة المتعددة ، في حين إنها صور ميتة في الحقيقة .
الإسلام حياة أفضل — صفحة 21
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢١