الْكِنْدِيَّ عَمَّا أَخَذَ فِيهِ مِنْ تَشَاغُلِهِ بِالْقُرْآن ؟ » .
فلما سأله الرجل عن كيفية ذلك قال له الإمام عليه السلام
: « أَتُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا أُلْقِيهِ إِلَيْكَ ؟ » .
قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ :
« إِنْ أَتَاكَ هَذَا المُتَكَلِّمُ بِهَذَا الْقُرْآنِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنْهُ غَيْرَ المَعَانِي الَّتِي قَدْ ظَنَنْتَهَا أَنَّكَ ذَهَبْتَ إِلَيْهَا ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ : إِنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ لِأَنَّهُ رَجُلٌ يَفْهَمُ إِذَا سَمِعَ ، فَإِذَا أَوْجَبَ ذَلِكَ فَقُلْ لَهُ : فَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ قَدْ أَرَادَ غَيْرَ الَّذِي ذَهَبْتَ أَنْتَ إِلَيْهِ فَتَكُونُ وَاضِعاً لِغَيْرِ مَعَانِيهِ ؟ » .
فذهب الرجل إليه . وصنع مثلما أمره الإمام فوقع الكلام في قلبه موقعه لأنه - كما أشار الإمام - كان رجلًا ذكيًّا فهماً . وعرف أن الاحتمال - مجرد الاحتمال - يبطل الاستدلال - كما يقول الفلاسفة - ، وأن هذا الكلام لو انتشر في تلامذته لم يصدقه أحد في كتابه ، فيكون قد حكم على نفسه بالسفه إذا هو أصر في تأليف الكتاب ، فارتدع عنه . ولكنه سأل من الرجل وقال له :
أقسمت عليك إلَّا ما أخبرتني من أين لك هذا ؟ قال الرجل : إنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك ، قال الكندي : كلَّا ، ما مثلك من يهتدي إلى هذا ، قال الرجل : أمرني به الإمام أبو محمد ، فقال الكندي : وما كان ليخرج مثل هذا إلَّا من ذلك البيت . وعمد إلى كتابه فأتلفه « 1 » .
وهكذا أنقذ الإمام دين جده المصطفى عليه السلام من كتاب شبهة وضلالة . ولعل هذا التلميذ كان من شيعة الإمام الذي تسلل إلى جهاز
هامش
( 1 ) حياة الإمام العسكري ، ص 220 - 221 نقلًا عن المناقب ، ج 4 ، ص 424 .