الكبرى ، وكانت من سمات عصر الغيبة ، التقية ؛ فإن حياته اتَّسمت - وربما أكثر من غيره من الأئمة الهداة - بأقسى حالات التكتم . والقصص التالية تعكس جانباً من حالات التقية :
ألف : يقول دَاوُدَ بْنِ الْأَسْوَدِ :
« دَعَانِي سَيِّدِي أَبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام فَدَفَعَ إِلَيَّ خَشَبَةً كَأَنَّهَا رِجْلُ بَابٍ مُدَوَّرَةٍ طَوِيلَةٍ مِلْءَ الْكَفِّ ، فَقَالَ : صِرْ بِهَذِهِ الْخَشَبَةِ إِلَى الْعَمْرِيِّ ( أحد وكلائه المقربين ) ، فَمَضَيْتُ ، فَلَمَّا صِرْتُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ عَرَضَ لِي سَقَّاءٌ مَعَهُ بَغْلٌ فَزَاحَمَنِي الْبَغْلُ عَلَى الطَّرِيقِ ، فَنَادَانِي السَّقَّاءُ : ضَحِّ عَلَى الْبَغْلِ ( أي وسع الطريق ) فَرَفَعْتُ الْخَشَبَةَ الَّتِي كَانَتْ مَعِي فَضَرَبْتُ بِهَا الْبَغْلَ فَانْشَقَّتْ ( الخشبة ) ، فَنَظَرْتُ إِلَى كَسْرِهَا فَإِذَا فِيهَا كُتُب ( رسائل ) فَبَادَرْتُ سَرِيعاً فَرَدَدْتُ الْخَشَبَةَ إِلَى كُمِّي فَجَعَلَ السَّقَّاءُ يُنَادِينِي وَيَشْتِمُنِي وَيَشْتِمُ صَاحِبِي » « 1 » .
هكذا كان الإمام يستخدم أسلوب الكتمان ، وبهذا المستوى الرفيع ، حتى في نقل الرسائل من دار لدار أو بلد قريب إلى بلد قريب آخر .
وفي نهاية القصة نجد عتاباً شديداً تعرض له حامل الرسالة على تصرفه البعيد عن روح العمل السري ، فقال خادم الإمام حكاية عن الإمام قال :
« وَإِذَا سَمِعْتَ لَنَا شَاتِماً فَامْضِ لِسَبِيلِكَ الَّتِي أُمِرْتَ بِهَا وَإِيَّاكَ أَنْ تُجَاوِبَ مَنْ يَشْتِمُنَا أَوْ تُعَرِّفَهُ مَنْ أَنْتَ ، فَإِنَّا بِبَلَدِ سَوْءٍ وَمِصْرِ سَوْءٍ ، وَامْضِ فِي طَرِيقِكَ فَإِنَّ أَخْبَارَكَ وَأَحْوَالَكَ تُرَدُّ إِلَيْنَا ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ » « 2 » .
باء : وكان أسلوب التحدث بالإشارة شائعاً في أوساط الشيعة
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 50 ، ص 283 .
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 50 ، ص 283 .