بغداد ، وقرَّب المأمون العباسي من يريد وغدر بمن كان قد نصره على أخيه الأمين في نزع الملك عنه ، وغيَّر شعاره الذي اتخذه للثورة التي كانت نصف علوية ، ورجع إلى لبس السواد ، فأصبحت الدولة دولة عباسية مرة أخرى .
ومرة كان الإمام يسير في طرقات بغداد العاصمة المزدحمة ، وقد اصطف الناس لابن الرضا عليه السلام ، رافعين أعناقهم كي يفوزوا بنظرة منه ، وكان من الواقفين رجل زيدي المذهب ، يحدثنا فيقول :
خَرَجْتُ إِلَى بَغْدَادَ فَبَيْنَا أَنَا بِهَا إِذْ رَأَيْتُ النَّاسَ يَتَعَادَوْنَ وَيَتَشَرَّفُونَ وَيَقِفُونَ ، فَقُلْتُ : مَا هَذَا ؟
فَقَالُوا : ابْنُ الرِّضَا عليه السلام ، فَقُلْتُ : وَاللهِ لَأَنْظُرَنَّ إِلَيْهِ ، فَطَلَعَ عَلَى بَغْلٍ أَوْ بَغْلَةٍ ، فَقُلْتُ : لَعَنَ اللهُ أَصْحَابَ الْإِمَامَةِ حَيْثُ يَقُولُونَ : إِنَّ اللهَ افْتَرَضَ طَاعَةَ هَذَا . فَعَدَلَ إِلَيَّ وَقَالَ : يَا قَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ : فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ « 1 » .
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : سَاحِرٌ وَاللهِ !
فَعَدَلَ إِلَيَّ فَقَالَ : الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ « 2 » .
قَالَ : فَانْصَرَفْتُ وَقُلْتُ بِالْإِمَامَةِ وَشَهِدْتُ أَنَّهُ حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ وَاعْتَقَدْت به » « 3 » ،
أجل . . إن الاستغراب الذي غمر قلب هذا الرجل من جهة صغر
هامش
( 1 ) سورة القمَر ، الآية : 24 .
( 2 ) سورة القمَر ، الآية : 25 .
( 3 ) بحار الأنوار ، ج 50 ، ص 64 .