أو يبحث عن مجدٍ مثل ابن الزبير ، جاء الإمام السجاد عليه السلام يُعطي لتلك الحالة هويَّتها الرسالية ، وصِبغتها الإلهية ، وروعتها التي تمثَّلت في قيم الوحي ، وسبيلها القويم الذي رسمته شريعة الله تعالى .
ولعل هذا أعظم دور قيادي قام به الإمام السجاد عليه السلام . ولم يكن هذا الدور نابعاً من حالة مزاجية عند الإمام عليه السلام ، أو لأنه شَاهَدَ مثلًا وقائع الطف الفظيعة ، فاصطبغت شخصيته بها ، ولم يملك إلَّا البكاء والتفجّع والتبتّل والضراعة .
أجل ، إن تلك الحادثة كان لها أثرها البالغ في شخصيته الكريمة ، ولكن الإمام المعصوم عليه السلام يقوم بواجبه الإلهي ، وليس بما تمليه حالته النفسية . والشاهد على ذلك أن الإمام زين العابدين عليه السلام ، الذي اصطبغت شخصيته الكريمة بالتهجد والبكاء ، حمل رسالة عاشوراء بعد شهادة والده ، هو وعمّته عقيلة الهاشميين زينب عليها السلام . وما أدراك ما رسالة عاشوراء ! . إنها رسالة الجرح الثائر ، والدم المنتصر ، والألم المتمرد ، والانتفاضة التي لا تهدأ . أَوَما سمعت خطبته اللاهبة في أهل الكوفة بعد ثلاثة أيام من فاجعة الطف كيف أثارت فيهم دفائن العطف ، ونفضت عن أفئدتهم غبار الرهبة والتردد ، فقالوا له : مُرْنَا بأمرك فإنّا مطيعون لأمرك ، لنأخذنَّ يزيد ونتبرأ ممن ظلمك وظلمنا .
ولكنه قال لهم : «
مَسْأَلَتِي أَلَّا تَكُونُوا لَنَا وَلَا عَلَيْنَا
» « 1 » .
وها نحن نستمع معاً إلى فقرات من تلك الخطبة الثائرة :
« أَوْمَأَ إِلَى النَّاسِ أَنِ اسْكُتُوا فَسَكَتُوا ، فَقَامَ قَائِماً ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى
هامش
( 1 ) بحار الأنور ، ج 45 ، ص 112 .