أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ هُوَ أَكْذَبُ مِنْكَ ، أَنْتَ الَّذِي تَزْعَمُ أَنَّ لَكَ فِي هَذِهِ الْخَضْرَاءِ إِلَهاً بَعَثَ بِكَ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى ، لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنَّ قَوْمِي يُسَمُّونَنِي الْعَجُولَ لَضَرَبْتُكَ بِسَيْفِي هَذَا ضَرْبَةً أَقْتُلُكَ بِهَا فَأَسُودَ بِكَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ .
فَوَثَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِيَبْطِشَ بِهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله : اجْلِسْ يَا أَبَا حَفْصٍ ، فَقَدْ كَادَ الْحَلِيمُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا .
ثُمَّ الْتَفَتَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله إِلَى الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ لَهُ :
يَا أَخَا بَنِي سُلَيْمٍ ! هَكَذَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ يَتَهَجَّمُونَ عَلَيْنَا فِي مَجَالِسِنَا يَجْبَهُونَنَا بِالْكَلَامِ الْغَلِيظِ ؟ ! يَا أَعْرَابِيُّ ! وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ نَبِيًّا إِنَّ مَنْ ضَرَّ بِي فِي دَارِ الدُّنْيَا هُوَ غَداً فِي النَّارِ يَتَلَظَّى . يَا أَعْرَابِيُّ ! وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ نَبِيًّا إِنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ يُسَمُّونَنِي أَحْمَدَ الصَّادِقَ . يَا أَعْرَابِيُّ ! أَسْلِمْ تَسْلَمْ مِنَ النَّارِ ، يَكُونُ لَكَ مَا لَنَا وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْنَا ، وَتَكُونُ أَخَانَا فِي الْإِسْلَامِ .
قَالَ : فَغَضِبَ الْأَعْرَابِيُّ وَقَالَ : وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَا أُومِنُ بِكَ يَا مُحَمَّدُ أَوْ يُؤْمِنَ هَذَا الضَّبُّ ، ثُمَّ رَمَى بِالضَّبِّ عَنْ كُمِّهِ ، فَلَمَّا أَنْ وَقَعَ الضَّبُّ عَلَى الْأَرْضِ وَلَّى هَارِباً ، فَنَادَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله : أَيُّهَا الضَّبُّ أَقْبِلْ إِلَيَّ . فَأَقْبَلَ الضَّبُّ يَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله ، قَالَ : فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله : أَيُّهَا الضَّبُّ مَنْ أَنَا ؟ فَإِذَا هُوَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ ذَرِبٍ غَيْرِ قَطِعٍ فَقَالَ : أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله : مَنْ تَعْبُدُ ؟ قَالَ : أَعْبُدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ وَاتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَاصْطَفَاكَ يَا مُحَمَّدُ حَبِيباً . ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
أَلَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ صَادِقٌ * فَبُورِكْتَ مَهْدِيًّا وَبُورِكْتَ هَادِياً
شَرَعْتَ لَنَا دِينَ الْحَنِيفَةِ بَعْدَمَا * عَبَدْنَا كَأَمْثَالِ الْحَمِيرِ الطَّوَاغِيَا