يَا أَبَتَاهْ مَا أَعْظَمَ ظُلْمَةَ مَجَالِسِكَ ، فَوَا أَسَفَاهْ عَلَيْكَ إِلَى أَنْ أَقْدِمَ عَاجِلًا عَلَيْكَ ، وَأُثْكِلَ أَبُو الحَسَنِ المُؤْتَمَنُ أَبُو وَلَدَيْكَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ ، وَأَخُوكَ وَوَلِيُّكَ وَحَبِيبُكَ ، وَمَنْ رَبَّيْتَهُ صَغِيراً وَآخَيْتَهُ كَبِيراً ، وَأَحْلَى أَحْبَابِكَ وَأَصْحَابِكَ إِلَيْكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ سَابِقاً وَمُهَاجِراً وَنَاصِراً ، وَالثَّكْلُ شَامِلُنَا وَالْبُكَاءُ قَاتِلُنَا وَالْأَسَى لَازِمُنَا .
ثُمَّ زَفَرَتْ زَفْرَةً وَأَنَّتْ أَنَّةً كَادَتْ رُوحُهَا أَنْ تَخْرُجَ ثُمَّ قَالَت :
قَلَّ صَبْرِي وَبَانَ عَنِّي عَزَائِي * بَعْدَ فَقْدِي لِخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ
عَيْنُ يَا عَيْنُ اسْكُبِي الدَّمْعَ سَحّا * وَيْكِ لَا تَبْخَلِي بِفَيْضِ الدِّمَاءِ
يَا رَسُولَ الْإِلَهِ يَا خَيْرَةَ اللَّه * وَكَهْفَ الْأَيْتَامِ وَالضُّعَفَاءِ
قَدْ بَكَتْكَ الْجِبَالُ وَالْوَحْشُ جَمْعاً * وَالطَّيْرُ وَالْأَرْضُ بَعْدُ بَكَي السَّمَاءِ
وَبَكَاكَ الْحَجُونُ وَالرُّكْنُ وَالْ * مَشْعَرِ يَا سَيِّدِي مَعَ الْبَطْحَاءِ
وَبَكَاكَ الْمِحْرَابُ وَالدَّرْس لِلْقُرْ * آنِ فِي الصُّبْحِ مُعْلِناً وَالْمَسَاءِ
وَبَكَاكَ الْإِسْلَامُ إِذْ صَارَ فِي النَّا * سِ غَرِيباً مِنْ سَائِرِ الْغُرَبَاءِ
لَوْ تَرَى الْمِنْبَرَ الَّذِي كُنْتَ تَعْلُو * هُ عَلَاهُ الظَّلَامُ بَعْدَ الضِّيَاءِ
يَا إِلَهِي عَجِّلْ وَفَاتِي سَرِيعاً * فَلَقَدْ تَنَغَّصَتِ الْحَيَاةُ يَا مَوْلَائِي
قَالَتْ : ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا وَأَخَذَتْ بِالْبُكَاءِ وَالْعَوِيلِ لَيْلَهَا وَنَهَارَهَا وَهِيَ لَا تَرْقَأُ دَمْعَتُهَا وَلَا تَهْدَأُ زَفْرَتُهَا .
وَاجْتَمَعَ شُيُوخُ أَهْلِ المَدِينَةِ وَأَقْبَلُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقَالُوا لَهُ : يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّ فَاطِمَةَ عليها السلام تَبْكِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَلَا أَحَدٌ مِنَّا يَتَهَنَّأُ بِالنَّوْمِ فِي اللَّيْلِ عَلَى
فُرُشِنَا وَلَا بِالنَّهَارِ لَنَا قَرَارٌ عَلَى أَشْغَالِنَا وَطَلَبِ مَعَايِشِنَا ، وَإِنَّا نُخْبِرُكَ أَنْ تَسْأَلَهَا إِمَّا أَنْ تَبْكِيَ لَيْلًا أَوْ نَهَاراً . فَقَالَ عليه السلام : « حُبًّا وَكَرَامَةً » .