أيضا بين فهم هذه العمليات العقلية وبين فقه اللغة ، لأنها تكشف بقدر عن التصورات ، وتكون مقياسا أمينا لمعرفة طبيعتها .
من هذه الزاوية دخل لوك في تحقيقاته العلمية ، التي أجراها في باب اللغة ، وأصبح من مؤسسي علم اللغات الحديث ، وكان بين استدلالاته اللغوية التي سحبها إلى المنطق ، قوله : بما أن تصور الإنسان يعتمد على الإحساس في البداية فإن الرجل البدائي يعبر عنه أولا ، فالطفل مثال للفرد البدائي وهو لا يعبر أول ما ينطق إلا عن الأمور المحسوسة . كذلك الأمم المتوحشة ، مثال للجماعة البدائية .
فلا نجد في لغتهم تعابير تخص الأمور العقلية ، وكلما تقدمت الأمة باتجاه الحضارة كلما زادت تعابير لغتها التي تكشف عن أمور عقلية .
بعد أن يضع لوك أسس تفكيره الثلاثة ( بيان قوى الإدراك وتقسيم الإدراك ، ثم علاقته باللغة المعربة عنه ) يعطف نظره إلى حقيقة العلم فيزعم أنها النسبة بين تصورين . . أو إثبات الوجود لتصور واحد ثم يفصل فيقول : أساس علاقة التصور أربعة أقسام :
( 1 ) الوحدة ، كما تقول : 4 * 16 / 4 .
( 2 ) أو عدمهما ، كما تقول : 4 * 4 لا / 15 .
( 3 ) المقارنة ، كالقول : الهواء بارد .
( 4 ) إثبات شيء لشيء ، مثل أن تقول : الله موجود .
ثم يقسم لوك العلم إلى ذاتي وتعقلي وحسي . فالذاتي ، هو معرفة نسبة التصورات الذاتية إلى بعضها معرفة مباشرة . والتعقلي ، هو المعرفة التي تحتاج إلى استدلال وتفكر مثل معرفة الباري . والحسي ، هو المعرفة الناشئة من الإحساس ، وهو بالرغم من قلة قيمته الفلسفية لعدم افادته اليقين فإنه ذات قيمة
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 89
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٨٩