التحول يحدث كلما زادت معلومات الإنسان الدقيقة ، ونظراته الواضحة . وأبسط مثال لذلك نجده في السياسة ، فقديما كان السياسيون ، يختارون آراءهم بالذوق ، وحسب الحاجة العملية الملحة . فعندما كانت تواجه السياسي مشكلة كان يطرق برأسه إلى الأرض ، ويستعرض شريط الأحداث التي ترتبط بموضوعه ( طبعا كانت تتم معرفة ارتباط الأحداث بموضوعه ، واختياره لها ، بالبداهة ، أي بالذوق الفطري . أيضا ) وبعد لحظات تفكير سريع ، وغامض ، كان يرفع رأسه ويتخذ قرارا . ولكن اختلف الوضع ، في الدول المتقدمة اليوم ، حيث لا يتم الاختيار ذوقيا ، وانما علميا ، حيث يجتمع الخبراء ، ويستعرضون صورة الأحداث التي يختارونها بدقة ، وبمقاييس علمية ثم يأخذون بتقييمها معا تقييما منهجيا ، وربما استعانوا بالعقول الاليكترونية ثم يقررون ما شاؤوا ، ماذا اختلف من القديم إلى الحديث ؟ وهل كانت السياسة في القديم ذوقا ، وأصبحت علما ؟ إنما اختلفت طريقة التفكير في مرحلته . فبينما كان مستوى التفكير قديما متدنيا ، ومرتجلا ، ومتسرعا ، أصبح اليوم مستوى رفيعا ومتقدما وساميا . وبؤرة الفرق كانت التفكير الغامض ففي القديم كان التفكير يتم بسرعة وفي منطقة اللاوعي ، حيث يتم اختيار الأحداث ، وتقييمها بسرعة ، وبحيث لا يستطيع صاحبها متابعة سيرها ، وكان أسرع الناس بديهة هو أكثرهم علما ، إذ ان القضية كانت ترتبط بسرعة البديهة ، وكانت وصية الحكماء تقول : إذا أردت اختيار أمر صعب ، فنم عليه ، إذ ان النوم - لا اليقظة - كان كفيلا بتشغيل منطقة اللاوعي في الفكر البشري ومجموع هذه الأمور سمي ذوقا . أما اليوم فإن التفكير يتقدم خطوة خطوة ، وفي الطريق المستقيم الظاهر الصريح . والسؤال الأخير : هل انتهى دور الذوق في حياة الإنسان ؟ والجواب : بالطبع لا ، إذ أولا : لا يمكننا أن نختار كل شيء في حياتنا بالتفكير المنهجي الواضح ، لتباطؤ هذا التفكير ، ولسرعة الحياة ، وإلحاح المواقف إلى قرارات مستمرة . وثانيا : لم يزل العلم غير قادر على لملمة جوانب المواضيع كلها حتى يتم البحث بمنهجية تامة في كل مراحل التفكير السابقة على القرار ولذلك يحسم المرء كثيرا من الأمور المرتبطة بقراره ،
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 385
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٨٥