تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
الاستقراء الفطري كيف ولماذا ؟ جون ديوي يفصل القول في الذوق الفطري تاريخيا ، وقد يلقي ذلك ضوءا على كيفية الاستفادة منه ، فيقول ( بتلخيص ) : في عهد اليونان كانوا يقسمون العلوم نوعين ، الأول : العلوم السامية ، التي يشتغل بها الحكماء والفلاسفة ، الثاني : العلوم الدانية ، التي يقوم بها أهل الحرف والسوقة ، ولم يكن النوع الثاني جديرا عندهم باسم العلم فكانوا يسمونه صناعة ، أو فنا ، أو حيلة ، لأنه كان يعالج المواقف المشكلة ، وهي متغيرة ، والعلم إنما عندهم ما يعالج المبادئ العامة ، التي لا تتغير . بلى حين ترتفع هذه الصناعات عن مستوى معالجة المواقف الخاصة المتغيرة ، ويعني بالمبادئ المطلقة ، كانت جديرة باسم العلم . ثم بدأ العلم الحديث ، يربط بين العلم والعمل ، ويرى : أن العلم الذي يعالج المواقف المشكلة ويساعدنا على حلها عمليا ، هو العلم الوحيد الجدير باسم ( العلم ) « 1 » ويستنتج ديوي من كل ذلك ، أن الذوق والعلم وجهان لعملة واحدة ، وأنه في يومنا هذا أصبح التذوق ، أكثر علمية كما أصبح العلم أقرب إلى الذوق ( أي إلى الفائدة العلمية ) ومن هنا تتم الاستفادة من الذوق الفطري ، علميا حين نجعله طريقا إلى إيجاد مشكلة ، وبالتالي طريقا إلى التفكير العلمي لحلها . ويكون الذوق بذلك ، المرحلة المتقدمة من العلم المرتجل ، فهي مرحلة التحسس بالموقف المشكل « 2 » والذي يؤدي إلى الحل الذي يتطور بدوره إلى حل علمي . فالإنسان يبدأ بتذوق الأشياء ، قبل ان يبدأ بتفهمها ، وشيئا فشيئا ، يتحول الذوق إلى التفكير ، ويتحول الاختيار الساذج إلى الا بداع والابتكار ، وهذا
هامش
( 1 ) - أنظر ص 156 - 161 ، من كتاب المنطق ونظرية البحث لجون ديوي . ( 2 ) - أنظر القسم الثالث ، كيف نختار المنهج السليم ، من هذا الكتاب . .
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 384 | السيد محمد تقي المدرسي