المتمرس بالجريمة يفترق عمن سواه ، في أنه قد أصبح يرى أن الجريمة هي الصراط السوي ، وإن ترك الجريمة ليس سوى شذوذ ظاهر .
وقد سبق أن رد الفعل الشرطي ، يسبب ضغط الجريمة ، باتجاه منحرف ، في الذي تعوّد على إشباع غرائزه بالطرق الملتوية ، فبينما تدفع غريزة الجوع التاجر إلى الكسب الشريف ، تدفع ذات الغريزة السارق إلى الجريمة . وكما أن اتباع الغريزة بطريق التكسب عمل محترم عند التاجر ، فكذلك اشباعها بطريق السرقة عند المجرم عمل معروف . وهكذا تتحول الجريمة إلى شرف ، والمنكر إلى معروف ، وبهذا التحول تتحول كل مقاييس الفرد ، فهو لا يستطيع بعدئذ ، تصور الخير ، إلا من خلال تحقيقه للغرائز ، وهكذا سيكون سببا خطيرا من أسباب الخطأ الفكري عند الإنسان ، إذ إنه ينتزع من الإنسان مشعل عقله ، ويدعه في ظلمات حالكة .
هذه الأسباب الثلاثة : العداوة مع الناس ، ومخافة الذل ، وتبدل المقاييس ، هي الأسباب الرئيسية التي تقف وراء تأثير الصفات النفسية المنحرفة ، في خطأ الفكر الإنساني ، لذلك نستطيع التأكيد بضرورة تصفية النفس من جميع الانحرافات ، حتى يستطيع العقل اكتشاف الحقائق بسهولة ، والا حجبت عواصف العواطف الهائجة ، مشعل العقل من الاشعاع .
وقد بينت آيات القرآن الحكيم مدى خطورة دور الهوى بصورة عامة والتكبر بصورة خاصة في ضلالة الإنسان فجاءت تقول : ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) [ البقرة / 87 ] . ( وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد ) [ البقرة / 206 ] .
( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) [ الأعراف / 146 ] .
( فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون *
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 282
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٢