تحصل المعرفة بالأشياء من خلال هذه المقارنة .
وبالرغم مما في فلسفة فيخته من مثالية واضحة ، فإن فيها عنصرا موجبا هو التالي :
ان النفس البشرية هي الوسيلة التي تدرك بها الأشياء ، ولكنها لا تستطيع أن ترى شيئا بدون تنورها هي ، أو بالأحرى توعيتها على ذاتها ، ويقظتها لإمكاناتها الكامنة . . ويتم ذلك بمقارنة داخلية تتم بين النفس والخارج .
والنفس لا يمكن ان تكتشف حقيقة ما ، دون ان تعتمد على مقاييسها المفطورة عليها ، ولكن من جهة أخرى لا يمكن ان تعتمد النفس على هذه المقاييس دون الإيمان بها والثقة بإمكانية استثمارها في سبيل التعرف على الأشياء . . وهذا الإيمان ، يأتي نتيجة وعي الذات لما فيه من إمكانات ، وثقته بالتالي بقدرة هذه الإمكانات على تحقيق التطلعات .
إذا وعي الذات بداية كل معرفة ، وفائدة الجدل ناشئة من قدرته على تنبه الفكر بذاته ، هذا بالإضافة إلى أن المقارنة التي تتم في الجدل تبين مراحل التفكير الثلاث . . مرحلة الرؤية المبسطة ، حيث يبصر الإنسان - جانبا واحدا وجامدا من الأشياء - ثم مرحلة الرؤية المركبة - حيث يكشف الإنسان وجود جوانب جديدة للأشياء يعتقد بأنها متناقضة كليا لرؤيته الأولية - ثم مرحلة الرؤية المحللة - حيث تتم المعرفة الناضجة نسبيا - وفيها نعرف إمكانية جمع الرؤية الأولى مع الرؤية الثانية إذ أن كلا منهما كان من زاوية مختلفة ومثال ذلك رجل يرى عمودا أحمر ، فيزعم أن الحمرة هي لون العمود بكل جوانبه ، ولكنه ما أن يدور حول العمود يرى أن لون سائر جوانبه أبيض .
وهنا ينشأ عنده تناقض بادئ الرأي ويقول :
كيف صار العمود كله أحمر وكله أبيض ؟ ولكنه ينتبه فجأة إلى إمكانية الجمع بالقول أن جانبا من العمود أحمر ، وجانبا أبيض .
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 102
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٢