ومن يطلع على ثقافة الفارابي ، يجد مدى الغربة التي كان يعاني منها الفلاسفة المسلمون عن واقع الدين الإسلامي ، ومدى عمق انتمائهم إلى الفكر اليوناني الدخيل ، إذ لا يرى هؤلاء لأنفسهم أدنى قيمة أمام أعلام الفلسفة اليونانية ، اللهم إلا قيمة الشرح والتفسير وربما التأويل . ويكفينا أن ننقل - فيما يلي - قطعة من نص كتاب ( رسالة في العقل ) لنرى كيف ينظر الفارابي لثقافة اليونان وأعلامها . يقول الفارابي وهو يميز بين أنواع من العقل :
الأول : العقل الذي ينعت به الجمهور الإنسان بأنه عاقل وفاضل ، وهو الذي يسميه أرسطوطاليس ( التعقل ) .
الثاني : العقل الذي يقول عنه المتكلمون : إنه يوجب بعض الأفعال أو ينفيها ، والذي يقابل جزئياً ما يعرف ببادئ الرأي المشترك .
الثالث : العقل الذي يصفه أرسطوطاليس في كتاب ( البرهان ) بأنه القدرة على استيعاب مبادئ القياس الأولى ، وذلك بمجرد الطبع والفطرة .
الرابع : العقل الذي جاء في المقالة السادسة من كتاب ( الأخلاق ) أنه ضرب من الاعتياد الذي يتم بالتجربة والاختبار « 1 » .
وحين ينقل عن أرسطوطاليس كلاماً ، فكأنه لا يحتاج إلى مزيد من البرهان على صدقه ، وإنك تراه يسميه في هذه القطعة ثلاث مرات . . ويستهتر بكلامه وكأنه حجة .
5 - ابن سينا
حسين بن سينا الذي يكني ب - ( أبو علي ) ولد في قرية ( أفشنة ) الواقعة في شمال إيران حوالي مدينة بخارى الشهيرة ، وكان والده من مؤيدي الحركة الإسماعيلية .
وبالرغم من أن الاتصال بالإسماعيلية في وقت مبكر من حياته وفر له جواً متحرراً ، كما أن دراسته الذاتية واطلاعه الواسع على مختلف الاتجاهات الثقافية
هامش
( 1 ) ( ) المصدر ، ص 171 .