الثاني : الجهل بحقيقة الإرادة
إن ذات الإرادة الاختيار ، ومعنى الاختيار : الحرية المطلقة في القبول والرفض والقدرة على ترجيح أحد الطرفين على الثاني في حالة الاستفادة من هذه الحرية في القبول أو الرفض .
والإرادة هي بذاتها علة لترجيح أحد طرفي الممكن عند البشر ، وهي فوق المؤثرات الضاغطة ، وذاتها القدرة على الاختيار ، ولا يمكن تعليلها بمؤثر خارجي .
وعجز الفلاسفة في فهم الحرية البشرية نابع من استخدامهم لمنهج علمي ناقص وقائم على أساس العلة والمعلول ، وهذا المنهج لا يسمو إلى واقع الإنسان القادر الحر .
أما المنهج الصحيح ؛ فهو العودة إلى الوجدان مباشرة ، واستنطاق العقل عما إذا كان اختيار الفرد حراً أم هو مجبور عليه .
وإذا ثبت بالعقل والوجدان الذاتي أن البشر حر في اختيار طريقه ، وأنه برغم ضغط المؤثرات الخارجية ، فإنه يملك قدرة ترجيح أحد الطرفين حتى ولو كان يقتضي الموت واقفاً على الحياة بذل .
أقول : إذا ثبتت هذه القدرة عند الإنسان المخلوق ، فإننا نهتدي إلى أن الله خالق السماوات والأرض ، جاعل الظلمات والنور ، فعّال لما يشاء . وأن إرادته بذاتها علة الخلق ، ومن السفه البحث عن علة لإرادة الله .
يقول ربنا سبحانه :
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَآءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( آل عمران / 26 )
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ( آل عمران / 73 )
وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( المائدة / 17 )
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ( القصص / 68 )