الحجاب الذاتي بين الخالق والمخلوق
" خلقة الله الخلق حجاب بينه وبينهم ، ومباينته إياهم مفارقته أينيتهم « 1 » وابتداؤه إياهم دليلهم على أن لا ابتداء له لعجز كل مبتدأ عن ابتداء غيره " .
الأدوات دليل العجز
" وأدواته إياهم دليل على أن لا أداة له « 2 » لشهادة الأدوات بفاقة المادين " « 3 » .
أسماؤه تعبير
" فأسماؤه تعبير ، وأفعاله تفهيم ، وذاته حقيقة ، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه « 4 » وغيوره تحديد لما سواه « 5 » ، قد جهل الله من استوصفه ، وقد تعداه من اشتمله « 6 » ، وقد
هامش
( 1 ) ( ) لأن الله تعالى خلق الخلائق ، ولأنه ابتدعهم ، ووهب الوجود له فإنه محتجب عنهم حيث إنه كان الخالق ، وكانوا مخلوقين فهما إذاً سنخين بالذات ، نوعين متمايزين بأنفسهما .
يقول العلامة المجلسي وهو يشرح هذه الفقرة : أي كونه خالقاً وأن الخالق لا يكون بصفة المخلوق ، ويكون مبائناً له في الصفات ، ( كون ذلك ) صار سبباً لاحتجابه عن الخلق فلا يدركونه بحواسهم ولا عقولهم ، والحاصل : إن كماله ونقص مخلوقيه حجاب بينه وبينهم ( المصدر ، ص 233 ) .
وهكذا : مفارقة الله لخلقه ليست بالمكان بل بالأبنية والذاتية ، فهو من سنخ وهم من سنخ آخر .
( 2 ) ( ) أي أن الرب جعل الخلق محتاجاً أي الأداة ، كان ذلك دليل على أنه لا أداة له سبحانه .
( 3 ) ( ) لعل مراده من يملك الأدوات .
( 4 ) ( ) فأسماء الله لا تدل على وجود أجزاء له ، بل إنما هي تعبير عن ذات واحد ، أحد صمد ، كما أن أفعاله تفهمنا بأنه الخالق الرازق .
وهكذا ذاته حقيقة ، أي حق يستحق أن يسمى حقاً ، لأنه لا يقوم بغيره ولا يبتدئ بسواه سبحانه .
أما كنهه فهو إبعاده عن مشابهة المخلوقين .
( 5 ) ( ) أي أن فهم غيرية الله تعالى ، ومغايرته هو تحدي ما سوى الله تعالى ، وفهم عبودية ما سوى الله ومخلوقيته وعجزه ، وهكذا كلما تعمقنا في فهم محدودية الخلق وعجزه وضعفه ، كلما عرفنا الله سبحانه .
( 6 ) ( ) فمن طلب وصف كنه الله تعالى ومعرفة كيفيته فقد جهل الله تعالى ، لأنه لا يعرف كنهه ولا كيف له ، ومن أحاط برأيه - علماً بربه فقد تجاوز إلى غيره ، فليس الله اشتمل إنما اشتمل مخلوقاً والاشتمال هو التلفف بالثوب .