وبعد هذه المقدمات يقول : الجمع بين الحكمة والشريعة في هذه المسألة العظيمة ، لا يمكن إلا بما هدانا الله إليه ، وكشف الحجاب عن وجه بصيرتنا لملاحظة الأمر على ما هو عليه « 1 » .
والشطحات الصوفية ليست إلا انعكاس لهذه الصفة المتأصلة في البشر ، أي النزوع إلى ادعاء مقام الألوهية .
فالذي يدعي الفناء في الله تعالى ورؤية الخالق على جماله وجلاله ، وتلقي الأوامر منه مباشرة ، ويقول : ليس في جبتي سوى الله تعالى ، سبحاني سبحاني ما أعظم شأني ، فإنه يعكس شهوة ادعاء الربوبية ، ولكن في صورة ألفاظ فارغة وادعاءات وتمنيات ، بينما يعكس مثل فرعون مصر هذه النزعة في البشر في صورة عمل جبار كبناء أهرامات مصر ، يقول سبحانه تعالى :
وَقَالَ فِرْعَونُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الاسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَاظُنُّهُ كَاذِباً ( غافر / 36 - 37 )
بين نظرية الفيض والنزعة الجاهلية
وتبلورت هذه النزعة عند كبار القوم ، فبرروها بنظرية الفيض التي سنتحدث عنها مفصلًا بإذن الله تعالى ، فقالوا :
أو تدري كيف تمّ خلق الله تعالى للأشياء ؟ إنه سبحانه تنزل عن مقامه ، وتكثر فابتدعت الموجودات ، ولم يكن له سبيل آخر غير ذلك ، لأنه كان بنحو الفيض والترشح ، والإشعاع مثلما يفيض النبع ، وتشع الشمس .
يقول الشيخ اليوناني ( أفلوطين الإسكندراني ) وهو أول من بلور هذه النظرية :
إن الواحد المحض ( أي الله عندهم ) يشبه الضوء ، والواحد الثاني ( العقل ) المنسوب إلى شيء آخر يشبه الشمس ، والشيء الثالث يشبه القمر الذي ينال ضوءه من
هامش
( 1 ) ( ) المصدر ، ص 328 .