فإذا قلنا : ماهية التفاحة وجود ، فإن كلامنا لا يصدق إلا بنحو من المجاز ، أما بنحو الحقيقة فلا .
فهذا التعمل الشديد ، أو أن شئت قلت : التكلف الشديد يدل على أن الوجدان يأبى افتراض ثنائية في الأشياء مركبة من ماهية لا بشرط الوجود ووجود .
بل إن ذات الأشياء كما نعرفها بفطرتنا هي ذات الأشياء بواقعيتها التي هي الموجودة الغيرية .
يبقى أن نعرف أن الأدلة الثلاثة التي ساقوها لإقناعنا باختلاف الوجود والماهية ، أدلة لفظية تصلح لعلم النحو وليس للحكمة والفلسفة .
ومثل هذه الأدلة كثيرة في كلام الفلاسفة ، مما يدل على خلط عظيم بين العلم وبين التعبير عنه .
بين أصالة الوجود وأصالة الماهية
وإذا ثبت أن الوجود شيء والماهية شيء آخر ، يطرح السؤال التالي : هل الأصل في تحقق الممكنات ( الأشياء ) هو وجودها أو ماهيتها ، وبتعبير آخر : الماهية أصل التحقق والوجود طارئ عليه أم الوجود أصل تحقق الممكن والماهية طارئة ؟
ذهب المحققون من المشائيين إلى أن الماهية هي الأصل ، أما الوجود فشئ طارئ ، فحقيقة التفاحة - بما لها من ميزات وخصائص - هي أصلها ، وقد يفيض عليها الرب من نور الوجود فتصبح تفاحة موجودة ، أو يتركها في رحم العدم .
وقد عبر بعضهم عن هذه الفكرة - مرة - فقال : ( ما جعل الله المشمش مشمشاً ، ولكنه خلقه ) .
وذهب آخرون وفي طليعتهم شيخ الإشراق السهروردي إلى أن الوجود هو الأصل ، أما الماهية فليست سوى أمر طارئ .
وقال آخرون : الماهية والوجود معاً أصل .