الرحمة والتراحم
بنظرة عرفانية نافذة ، يعي الانسان أن الخلق كله تجلّ للرحمة الإلهية ؛ وإلّا فلماذا خلق الله الغني سبحانه هذه الكائنات ؟ أوليس برحمته التي وسعت كل شيء ، وهو القائل :
1 / ( إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) ( هود / 119 )
لماذا خلقهم ؟ ليرحمهم . هكذا نقرأ في الحديث المروي عن أبي بصير عن أبي عبد الله ( الإمام جعفر الصادق ) عليه السلام ، قال : سألته عن قول الله عز وجل : ( ولا يَزَالونَ مُخْتَلِفينَ إلّا مَن رَحمَ رَبّك ولذلك خَلقَهُمْ ) قال : خلقهم ليفعلوا ما يستوجبون به رحمة الله فيرحمهم . « 1 »
2 / وقال ربنا سبحانه : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ) ( غافر / 7 )
3 / وإذا كانت الرحمة هي الفيض والبسط والعطاء ، فإن السوء هو الأذى والقبض والافساد . وقد جاءت كلمتا الرحمة والسوء متقابلتين في الآية الكريمة . فالنفس أمارة بالسوء ، والله هو الذي يرحم بعض النفوس ( فتصبح برحمته كريمة ) . ولقد جاء في القرآن الكريم : ( وَمَآ ابَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( يوسف / 53 )
4 / ومن يقيه الرب السيئات ، فقد رحمه . إذ أن البشر ذلك المخلوق الضعيف ، لا يمكنه أن يتقي السيئات بذاته ، ( بل ذاته من دون رحمة الله مصدر السيئات ) ، إنما الله تعالى يقيه بفضله
السيئات . قال الله سبحانه : ( وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ( غافر / 9 )
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين ، ج 2 ، ص 404 ، ح 251 .