تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
ج - وكان عذرهم في الكفر بالرسل ، اتباعهم لآبائهم . قال الله تعالى : ( وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى امَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُقْتَدُونَ ) ( الزخرف / 23 ) إن تأكيد القرآن على مبادرة المترفين إلى الكفر بالرسل ، يهدينا إلى الصلة الوثيقة بين الترف والغنى ، والميل إلى الكفر ، وإلى المحافظة على تراث الآباء ، وعدم السماح بأية دعوة جديدة تخالفه . د - ولم يرضَ المتأثرون بالحمية الطبقية أن ينزل الله رسالته إلّا على رجل عظيم من القريتين ( الطائف ومكة ) ، يملك ثروة كبيرة . وقد ردهم الله تعالى في كتابه ، بأن تقسيم معايش الناس بيد الله الحكيم ، الذي أراد أن يتخذ بعضهم بعضا سخرياً ، حتى تتحرك عجلة الحياة ، ولا علاقة للثروة بالرسالة . قال الله سبحانه : ( وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) ( الزخرف / 31 - 32 ) وفي تفسير هذه الآية الكريمة حديث مفصل ، نستمع إليه ملياً لما فيه من بيان حكمة الله البالغة في تفاضل الناس في الثروة ، وأنه لا علاقة لذلك بانتخاب الرسول . فقد روي عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام ، عن أبيه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعداً ذات يوم بفناء الكعبة إذ قال له عبد الله بن أمية المخزومي ؛ لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولًا لبعث أجلّ من فيما بيننا مالًا وأحسنه حالًا . فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وانبعثك به رسولًا على رجل من القريتين عظيم ؛ إما الوليد بن المغيرة بمكة ، وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف ؟ فقال صلى الله عليه وآله : أما قولك لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ؛ الوليد بن المغيرة بمكة ، أو عروة بالطائف ، فإن الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظم أنت ، ولا خطر له عنده كما له عندك ، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة ما سقى كافراً به مخالفاً شربة ماء . وليس قسمة رحمة الله إليك ، بل الله القاسم للرحمات ، والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه . وليس هو عز وجل ممن يخاف أحداً كما تخافه أنت لما له وحاله ، فعرفته بالنبوة لذلك ، ولا ممن يطمع في أحد في ماله أو حاله كما تطمع