وقد تعددت جبهات الصراع ، وامتدت في آفاق متمادية ، وعلينا دراستها جميعاً ، لأنه من دون القضاء على الطبقية وحميّتها المتعددة الصور والأشكال ، لا تسلم كرامة الإنسان ، ولا يكتمل شرفه الرفيع . ولكن قبل دراسة هذه الآفاق دعنا نبلور بصيرة هامة ، هي ؛ إن الله قد سخَّر الطبيعة للإنسان ، فإذا أصبح الانسان مسخراً لها فهناك الكارثة والطبقية - في جوهرها - تلك الكارثة ، إذ الإنسان قد يملك من الثروة أكثر من طاقته ، فتصبح الثروة هي التي تمتلكه ، وتسحق كرامته . ثم يسعى لتعميم هذه الظاهرة على الآخرين ، فإذا به يصبح أداة للثروة في سحق كرامة البشر ومسخ شخصيتهم ، كما الثروة فعلت ذلك به أولًا . فأضحى لا ينظر إلّا عبر منظارها ، ولا يعمل إلَّا من أجلها ، ولا يسعد إلَّا بالاستزادة منها .
ونستفيد هذه البصيرة من قوله سبحانه : ( فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ اولُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَآ اتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ) ( هود / 116 ) ، حيث نستوحي من الآية ؛ إن ما أترفوا فيه ؛ أي ما أوتوه من نعم الله
أصبح هو قائدهم ، فاتبعوه وكانوا مجرمين . بينما كان من المفروض ان يتحصنوا بالتقوى ، ويحافظوا على استقلالهم ضد الثروة أو القوة أو أي نعمة أترفوا فيها ، حتى لا تكون هي التي تقودهم من دون الله . ورسالات الله جاهدت هذه العلاقة المعكوسة ، حيث أرادت للإنسان أن يبقى سيد الخليقة في الأرض ، يسخرها لسعادته وكرامته دون أن تكون الطبيعة سيدته .
أمَّا آفاق العصبية الطبقية ، فهي التالية :
أولًا : في الدين والثقافة .
أ - أين ينبغي أن يجعل الله رسالته ؟
يزعم المترفون إنما عند الأغنياء ، لأن الثروة عندهم هي القيمة الأسمى . ومن هنا قالوا : لماذا الرسول يحتاج إلى السير في الأسواق لتأمين معاشه اليومي ؟ قال الله سبحانه : ( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الاسْوَاقِ لَوْلآ انزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُوراً ) ( الفرقان / 7 - 8 )
ب - ولذلك كان المترفون يكفرون بالرسل ، حيث يقول الله سبحانه : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ ارْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ) ( سبَأ / 34 )