ثم يفصله . وهذه الآية - فيما يبدو - بيان اجمالي لوجوب الجهاد ، اما التفصيل فتقرءه في قصة بني إسرائيل الذين أخرجوا من ديارهم وأبنائهم ، وجعل الله لهم طالوت ملكاً ، وقاتلوا تحت لواءه حتى نصرهم الله .
ذلك لأن الله سبحانه قد بيّن تفصيل القتال مع الكفار في الآيات ( 246 ) إلى ( 251 ) من سورة البقرة ، بعد ان رغب في اقراض الله قرضاً حسناً في الآية ( 245 ) من سورة البقرة ، وهو بمثابة الجهاد بالمال . وقد بيّن حكمة القتال بقوله سبحانه : وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌ عَزِيزٌ ( الحج / 40 ) . فسمّى هذا الفرع من القتال دفاعاً . فهل يبقى للآية الأولى ( 244 ) من سورة البقرة ، ظهور في الجهاد الابتدائي ؟
ثانياً : الأدلة المخالفة للجهاد الابتدائي
ويستدل على عدم وجوب الجهاد الابتدائي بالأدلة التالية :
1 - يبيّن ربنا سبحانه في القرآن سنن الذين كانوا من قبلنا ، ويقص علينا ما جرى بين الأنبياء والأمم ، وكيف كانت دعوة الأنبياء دعوة سلمية ، وبالكلمة الطيبة اللينة ، وبالموعظة الحسنة ، وبالجدال بالتي هي أحسن . ولكن ردّ الأمم كان عنيفاً ، حيث كان يتحول بعد التهديد إلى الاخراج من البلاد ، والى الرجم ( بالكلمات البذيئة ) ، والى القتل . وسنن الله في الأولين والآخرين واحدة ، حسب الظاهر .
2 - قال الله سبحانه : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ( البقرة / 193 )
نستفيد من الآية ؛ ان غاية القتال قطع دابر الفتنة ، وإذا انقطعت فلا عدوان إلّا على الظالمين . ويبدو ان الظالمين هم مثيروا الفتن ، والعدوان هنا بمعنى الحرب . فالحرب لا تكون إلّا مع الظلمة الذين يعتدون على حقوق الآخرين ويرهبون عباد الله . إذاً الحرب انما هي دفاعية ( بالمعنى الأوسع لكلمة الدفاع الشامل لمقاومة الظلم ) .
وهذه الآية تخصص النصوص الآمرة بالقتال بوجه عام ، مثل قوله سبحانه : قَاتِلُوا
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 256
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٦