تتصرف الطبيعة تجاهنا كما يتصرف سلطان شرقي تجاه « مماليك » له يستخدمهم في أغراض له غامضة . . فيتولّد لدى هذه المخلوقات التبعية ( النابعة ) شعوران : التمرّد لدى البعض ، وحقدهم على الطاغية ( وهذا هو الموقف الأخلاقي الذي يتوقّف عنده « شوبنهاور »
schopenhauer ) . .
والاستسلام لدى الآخرين ، بل وحتى العرفان ، وحب الهدف المجهول ( وهذه هي وجهة نظر « فيخته »
fichte . .
كما انها وجهة النظر التي نجحت في الحفاظ عليها حتى الان . . ) « 1 » .
2 - اما التبرير الثاني فيقول عنه غريغوار : ( وتوجد مسيحية أصيلة من القديس اوغسطين حتى « باسكال » ، ومن « فينيلون » حتى « كير كغارد »
kier kegaard )
تنزع على العكس إلى إعلاء شأن الحب المنزّه ، غير العقلاني ، بل وحتى المخالف لأيّ عقل ( « بموجب اللامعقولية » بحسب كير كغارد ) « 2 » .
ولعلّ لامنطقية أمثولة « الطفل الضالّ » - الإنجيلية - ، هذه اللامنطقية التي أثارت استنكار الكثيرين من العقلانين ، ليست سوى برهان آخر على التعارض الأساسي بين الفعل الأخلاقي ( بالمعنى الديني على الأقل ) والاستنتاج الفكري « 3 » .
ولكن البصيرة القرآنية - كما قلنا آنفاً - تدعونا إلى حب الله حباً عقلانياً وطاعته طاعة عقلانية لأنه أهل الطاعة فإنّ ( له الأسماء الحسنى ) ، ولعل الجنة والنار ، والثواب والعقاب في الدنيا والآخرة وحتى السعادة الشاملة التي تنتظر المتقين ، كلها معراج لبلوغ تلك الدرجة من الحبّ العميق ، فالطاعة هنا أخلاقية ( لأنها ناشئة وجدان الإنسان ان ربه هو أهل للعبادة ) وهي عقلانية لأن الضمير يقول : بضرورة طاعة المولى ، وتنسجم مع مسلّمات العقل الثابتة ، وهي مصلحيّة أيضاً . . لأنها تسبب الفلاح . .
وهذه المصلحة قيمة حميدة يدعو إليها الدين ، لأنها لا تتعارض مع سائر القيم ، بل وتنسجم معها كاملًا .
هامش
( 1 ) - المصدر ص 22 - 23 .
( 2 ) - المصدر ص 23 .
( 3 ) - المصدر ص 23 . .