وفي ظروف مشابهة ، حيث تعرض المسلمون للهجمات الصليبية ، ثم للإعصار التتري ، انغلقوا على أنفسهم وقاوموا اي تطور بل وجمدوا حركتهم الحضارية حفاظا على شخصيتهم .
فهل يمكنهم ان يفعلوا اليوم مثل ذلك ، كما يحلو لبعضهم حيث يبالغ في تكريم السلف إلى حد التقديس ، ويتشبث بتقاليد الماضي إلى حد الجمود ؟ وهل يمكن ذلك في هذا العصر المجنون في تطوره ، والعملاق في قوته التقنية والعلمية ، والنافذ في اغراءه وارهابه ؟
ولو فعلنا مثل ما فعل أباؤنا قبل سبعة قرون ، فأدخلوا العالم الاسلامي في نفق الجمود المظلم ، افلانساهم في تقليص دور الأمة الاسلامية العلمي ووقف نموه الحضاري مما يهدد وجودها بخطر عظيم .
كلا ، ان علينا ان نختار نهجا وسطا : فنزداد تمسكا بالقيم الأصيلة ، ونطور في اطارها ما يتصل بعوامل التغيير الحضارية .
الا ان تحقيق هذا الهدف ليس هينا ، لأسباب ترجع إلى عاملين رئيسيين .
الأول : حساسية الموضوع لأنه يمس ما يعتقد البعض انه من المقدسات .
الثاني : تعقيد الموضوع ، وارتباطه من جهة بالعصر ، الحديث وفلسفة ، واتصاله من جهة أخرى بالرسالات الإلهية ، وتراث الأمة ومكوناتها .
وازداد هذا الموضوع تعقيدا بسبب معالجة من قبل غير ذوي الاختصاص ، وهم الفقهاء وفلاسفة القانون .
ومنذ عقدين من الزمان كانت تلازمني هذه الأمنية ، ان أوفق لمعرفة ثم تعريف الاسلام الحق . بعيدا عما لصقت به من تقاليد العصور السالفة ، ومن أفكار الفلسفة اليونانية والهندية الغابرة . ومن أفكار العصر وفلسفاته الدخيلة .
وقد وفقني الله سبحانه لدراسة الحكمة الاسلامية في كتاب أسميته ب - : الفكر الاسلامي مواجهة حضارية ، ثم دراسة المنطق الاسلامي المقارن ، الذي أسميته ب - ( المنطق الاسلامي أصوله ومناهجه ) وكانت دراستي الأخيرة فيما يتصل بهذا الموضوع حول العرفان حيث حاولت تمييز
المفاهيم الدخيلة على الاسلام من خلال بيان بصائر القرآن وكان عنوانها : ( العرفان الاسلامي بين حقائق الوحي
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 6
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٦