وهذه الأحكام العامة التي يتطابق الوحي والعقل فيها هي مصدر سائر الأحكام الجزئية التي تخص الظواهر المحددة والمتغيرات .
ولا يعجز العقل المستنير بالوحي معرفة حكم واقعة جزئية استنباطاً من تلك الأحكام العامة . ولذلك كان الشرع كاملًا حيث قال ربّنا سبحانه : ( اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نِعمتي ورضيتُ ركُمُ الإسلامَ ديناً ) « 1 » .
وقال عن كتابه الكريم : ( ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ) « 2 » ( تبياناً لكل شيء ) « 3 » ( ولا يأتونك بمثلٍ إلا جئناكَ بالحقَّ وأحسنَ تأويلًا ) « 4 » .
وري عن النبي الأكرم - صلّى الله عليه وآله :
( أيها الناس ! ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلّا وقد نهيتُكم عنه وأمرتكم به ) « 5 » .
ومعروف ان الرسول لم يحدد حك المتغيّرات اليوميّة بصورةِ تفصيلية ، إنّما بيّن النبي الأحكام العامة التي يستنبط منها ذلك بالعقل .
وهكذا لا يبقى لنا مجال للتساؤل عن مورد يحكم به العقل ولا يحكم به الشرع ، إذ كل شيء موجود في الشرع إنْ كان بصورة خاصة أو بالعموم . نعم العقل يقوم بتحديد الحكم الشرعي المناسب للواقعة .
كما أنّ ، الشرع يذكر بالعقل ويفضّه ويستثير دفائنه . ولعل هذا هو المراد من قوله سبحانه : ( فبشِّرْ عباد الذي يستمعون القول فيتَّبعون أحسنّهُ أولئك الذي هداهُم الله وأولئك هو أُولُو الألبابِ ) « 6 » . حيث أن اتّباع الأحسن لا يكون إلّا بعد معرفته ، ومعرفته لا تّتم إلّا بهداية الله الظاهرة عبر الرسالة وبالعقل الذي هو لبّ الإنسان وأصله .
هامش
( 1 ) - المائدة / 3 .
( 2 ) - الكهف / 54 .
( 3 ) - النحل / 89 .
( 4 ) - الفرقان / 33 .
( 5 ) - بحار الأنوار / ج 2 ص 171 .
( 6 ) - الزمر / 17 - 18 .