( وما تسألهم عليه من أجرٍ إنْ هو إلا ذكر للعالمين ) « 1 » .
( وإنه لذكرٌ ولقومك وسوف تسألون ) « 2 » .
والآياتُ التي تبعث الإنسان نحو النظر والتفكر والتعقل والتدبر وما أشبه إضاءاتٌ في هذا السيل وإذا استيقظ العقل من سباته ، واستثيرت دفائنه ، فإنّ صاحبه يتجنب نسبةً كبيرة من الأخطاء الجذرية ، والضلالات البعيدة ، ومن أجل أن نعرف ذلك دَعنا نبيِّن فكرةً أساسية :
الصور التي تنعكس على نفوسنا من الحقائق الخارجية ربما كانت مطابقة لها ، وربما كانت مخالفة ، فلا يمكن الاعتماد عليها ، والثقة بها .
والمشكلة الرئيسية التي ظلت تقلق البشرية دوماً هي البحث عن ضمانةٍ لمعرفة مدى تطابق ما نعتقد انه حقٌ فعلًا ، وبتعبيرٍ أخر عن طريقةٍ لتجنُّب الخطأ .
ولا شك شكّ أن محاولات البشر لإصلاح ( المنطق ) قد نجحت جزئياًّ منذ انتشار الفكر السوفسطائي الجدلي . والمنطق الأرسطي الذي جاء ردّاً مناسباً له ، ثم المتطورات المحددة التي طرأت عله وحتى المناهج الحديثة كالمنطق الرياضي والتجريبي .
إلا أنّ الريب لا يزال يحكم عقل البشر ، وذلك لأنه لم يفتش عن ذات العقل الذي يعتبر بمثبتة المصباح ، إنما اكتفى بشعاعه وجعله بديلًا عنه . ولو عرف المصباح وجعل شعاعه دليلًا عليه لكفاه ذلك .
وهذا بالضبط هو النهج الإسلامي في المعرفة : اكتشاف المصباح بالمصباح ، وبما يشّع من ضياء وعدم الالحاد فيه بما يضاء من أشياء . أرأيت العلم بسائر الحقائق انما يكون بفضل النور فإذا عقل البشر هذه الحقيقة ان علمه بالبديهيات والتي هي أصل العلم بسائل الحقائق ، انما يكون بفضل النور الإلهي الذي نسميه عقلُا أو علماً ؛ عرف ان الغفلة عن هذا النور ضلال مبين . .
بلى ، إن معرفة النور الذي يضيء ما حوله ليست كمعرفة الأشياء التي تضاء بالنور ، أو تدري لماذا ؟ لأنّ النور يعرف بذاته ، وبما يكشفه من الحقائق ، فإذا أردت معرفته بغيره ضللت عنه ، وعرفت مجموعة أشياء مضاءة هي بدورها بذات النور ولم نعرف النور
هامش
( 1 ) - يوسف / 104 .
( 2 ) - الزخرف / 44 .