من هنا يتبينَّ لنا أن تزكية العمل أهم من العمل ذاته ، وهي لا تتحقق إلا بالتفكّر والتعقّل والابتعاد عن جوانب الهوى .
ويعود الإمام إلى بيان جانب آخر من هذه الحقيقة قريباً ، حيث يوضح كيف أن طاعة الله لا تكون بغير العقل .
رابعاً : تطمئن نفس العاقل بموهبة العقل ، وتثق بأحكامه وترضى بما لديه ، ولا يحسّ بمركّب النقص ، ولا يفتش عما يملأ فراغ نفسه من صخب الأصحاب والمردة ، ومن ثروات الدنيا الزائلة .
بينما ترى الجاهل بالعكس تماماً ، يعيش التردّد ، فيبحث عمَّنْ يقلّد ، ويستجيب لكل ناعقٍ ، ويخشى من الانفراد بشيء ، ويتوحش من الوحدة ، ويجمع من أموال الدنيا أكثر من حاجته لعلّه يجبر بها نقص نفسه ، وإحساسه بالضعف والخلاء .
لذلك كانت علامة قوة العقل الصبر على الوحدة ، لأنّ العقل القوي يغُني صاحبه عن الأنصار والأصحاب .
( يا هشام ! الصبر على الوحدة علامة قوّة العقل ، فمَنْ عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا ، والراغبين فيها ، ورغب فيما عند ربه ( وكان الله ) آنسه في الوحشة ، وصاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ، ومعزَّه في غير عشيرة ) .
العقل وسيلة الطاعة
بالعقل نعرف الله ، بالعقل نعرف الرسول والحجة ، وكذلك بالعقل نطيع ربّنا ومَنْ لا ينتفع بعقله في اختيار الوسيلة المناسبة للطاعة لا يبلغ هدفه في ارضاء ربّه . . لماذا ؟
أَولَيْست طاعة الله فرعَ معرفة أحكامه ؟ أَولَيْس العلمُ هو وسيلة معرفة الأحكام ؟
أَولَيْس التعلّم سبيلَ العلم ؟ ولَكِنْ كيف يتعلّم مَنْ ضعف عقله ، ولم تكتمل قوة عقله ؟
والقلب المشحون بعواصف الشهوة والغضب ، كيف تثبت فيه أحكام الربّ . . ؟
والقلب المعتقل في سجن الكبر والأحقاد والحسد والحرص . . كيف ينفتح على رحاب الحقائق ؟ .
ثم العلم الإلهي لا يأتيك إلا عبر عالم ربّاني ، وأنّى لك التعرّف عليه لو لم تكن