مرتبتها ، ولا يتكلّف علماً لم يؤت أدواته ولا منصباً لا يستحقه وقال : ( وإنّ الخير كلّه فيمن عرف قدر نفسه ، وكفى بالمرء جهلًا ألّا يعرف قدره ) .
ويبدو أنّ كبر النفس وغرورها ، وتطلعها إلى مراتب عالية أكبرُ حجابٍ بينها وبين الحقائق . وإن الإنسان لا يبلغ الخير إلّا بالتواضع لله ، ومعرفة قدر نفسه .
2 - خائض عشوات :
ثم يتناول الخطاب القسم الهام من الموضوع حيث بين صفات أدعياء العلم وهم أبغض الخلق عند الله . وسبب ضلالتهم انقطاعهم عن حبل الله . حيث وكلهم الله إلى أنفسهم فانحرفوا عن قصد السبيل ، وعشقوا البدع ، وغلّفوها بكثرة الصلاة والصيام وأصبحوا فتنةً لكلّ من ابتغى الفتنة من الناس . ولم يهتدوا بسيرة الصالحين من قبلهم . ولا أورثوا سيرةً صالحةً لمن جاء من بعدهم . وهكذا احتملوا أوزار تابعيهم إلى أوزارهم الذاتية .
قال الامام :
( وإنّ ابغض الخالق عند الله رجل وكّله الله إلى نفسه ، جائر عن قصد السيل مشغوف « 1 » بكلام بدعة ) .
لماذا يحب البدعة ؟ لعله لأنه من أهلها ويرى مصالحه فيها ، ولا يرى تحقيق ذاته إلّا في أجوائها ، وأضاف الإمامعليه السلام - :
( قد لهج فيها بالصوم والصلاة ، فهو فتنةٌ لمن افتتن به ، ضالّ عن هُدى من كان قبله ، مُضِلّ لمن اهتدى به ، حمّالُ خطايا غيره ، رهينٌ بخطيئته ) .
هكذا أصبح مثلُ هذا الرجل حلقة في سلسلة الضلال . لأنه ولع بالفتنة وأحب البدعة . وتراه يلملم مفردات الجهل ، يبحث عن كل ضلالة وشبهة وفكرة سلبية تدعم خطّةُ المنحرف ، كما فعل من قبله الجهال الذين أحاطت بهم ظلمات الجهل وغرته ظلمات الفتنة ، أوليس قد وضع نفسه في تيّار الانحراف ؟ قال الامام : ( قد قمشه جهلًا في جهال غشوة ، غار بأغباش الفتنة ، عمى عن الهدى ، قد سمّاه أشباه الناس عالماً ، ولم يغن فيه يوماً سالماً ) « 2 »
هامش
( 1 ) - أي يحب البدع حبا جما .
( 2 ) - أي لم يتم يوماً واحداً في نور العلم والمعرفة ، فكيف يسمى بالعالم .