فإنه يلقى بصره مره على ( 1 ) الأشياء ومره على ذاته فقط وانما صارت ذلك حال البدن
الذي صار فيه بتوسط النفس فإذا كان مشوبا بالبدن جدا ألقى بصره على الأشياء
وإذا تخلص قليلا ألقى بصره على ذاته فقط والعقل لا يستحيل ولا يميل من حال إلى
حال الا بالجهة التي قلنا واما النفس فإنها تستحيل إذا أرادت علم الأشياء إلى آخر
هذا الكلام وغير ذلك من كلماته الشريفة تصريحا وتلويحا إلى أن للنفس كينونه
قبل هذه النشأة وبعدها في عالم العقل يظهر لك بالمراجعة إليها والتأمل فيها .
ثم لا يخفى ان عاده الأقدمين من الحكماء تأسيا بالأنبياء ان يبنوا كلامهم
على الرموز والتجوزات لحكمه رأوها ومصلحة راعوها مداراة مع العقول الضعيفة ،
وترؤفا عليهم وحذرا عن النفوس المعوجة العسوفة وسوء فهمهم فما وقع في كلامهم ان
النفس أخطأت وهبطت فرارا من غضب الله عليها فهم وأمثالهم يعلمون ان في عالم
القدس لا يتصور سنوح خطيئة أو اقتراف معصية ولا يتطرق إليه مستحدثات آثار الحركات
بل عنوا بخطيئة النفس ما أشرنا إليه من جهة امكانها وحصولها عن مبدئها ونقصها ( 2 )
هامش
( 1 ) أي واقع في التلوين ولم يتمكن في مقام التمكين كما قال تعالى : ( فاستقم
كما أمرت ) وقوله للبدن أي بسبب البدن الذي صار مهبطا لنور العقل بواسطة النفس
فإنها رابطة البدن وقواه بالعقل كرابط الحادث بالقديم فإذا كان مشوبا بالبدن أي
الغالب عليه احكام الطبيعة ألقى الخ ( نسوا الله فأنساهم أنفسهم ) ومن عرف نفسه فقد عرف
ربه ان كتاب الفجار لفي سجين وان كتاب الأبرار لفي عليين
بخاك اندر شد وگل خاك شد * وآن نمك اندر شد وگل پاك شد
وقوله ألقى بصره على ذاته أي على ذاته ومقوم ذاته الوجودي فان ما هو في
المفارقات لم هو س ره .
( 2 ) ان قلت ما ذكر ان الخطيئة جهة امكانها قد دريناها بما بينه سابقا ان
منشأ سقوط النفس أي صدورها كباقي المعلولات النازلة هو الجهات الإمكانية في الفواعل ،
وقد مر بيانه في الحاشية ولكن لا ندري ما ذكره بقوله أو نقصانها الخ وكذا قوله
بعد كلمات وكونها عقلا بالقوة وانه لا يتسع الخ فان هذه نفس السقوط والخروج من
الجنة فكيف يجعل خطيئة وجرما منشئا لها وهل هذا الا تعليل الشئ بنفسه وأيضا هذه
في هذا العالم من خطيئاتها الطبيعية والخطيئات التي نسبت إليها في النواميس أو في الرموز
انما هي في العالم السابق على هذا العالم .
قلت فيه وجهان أحدهما ان نقصانها وكونها بالقوة وعدم اتساعها الا بعد حين
ونحوها باعتبار صورها العلمية السابقة في مراتب الألواح العالية خطيئات طبيعية بالحمل
الأولى منشأ لهذه في سجل المواد إذ قد تقرر ان للأشياء ذواتها وصفاتها وأفعالها
أكوانا سابقه وان تلك العلوم فعليات وثانيهما ان هذه في هذا العالم منشأ البعد
للنفوس عن العقول في السلسلة الصعودية التي هي دار المقربين وعن الصور البهية
فيها التي هي مطلوبات أصحاب اليمين والجنة التي خرج منها آدم بثلاثتها جنه الذات
وجنة الصفات وجنة الافعال سواءا كانت الافعال الابداعية أو الاختراعية وان كانت
غير الجنة التي ترتقي النفوس إليها بأقسامها كما سيأتي الفرق بين البرزخين النزولي
والصعودي والغيبين الامكاني والمحالي الا ان العوالم متطابقة والنشئات كل منها يحاذي
بما يوازنه ويوازيه ويماثله ويكافيه وماهيتهما واحده ووجودهما فيه أصل محفوظ
وسنخ باق فان ما به الامتياز في الوجود عين ما به اشتراك ولا سيما في عوالم العقول
فان جميع ذلك فيها آكد وأقوى إذ احكام الكثرة والتركيب والتجسم والتقدر والحركة
بل احكام السوائية هناك مستهلكة فالعقول الصعودية الحاصلة في صراط الكمل التي
هي ما إليها سلوكهم هي العقول النزولية التي هي وسائط جوده تعالى وان غايرتها ببعض
الوجوه فمنشأ البعد عن هذه الجنات التي هي في السلسلة الصعودية منشأ البعد عن التي
في النزولية وان شئت بدل البعد بالخروج أو الاخراج باعتبار الصلوح الفطري
وقوله فجريمتها الطبيعية إلى قوله فالنفس منصرفه الوجه الخ أكثرها اعاده للفقرة
السابقة مع إشارة إلى أن هذا الذنب طبيعي وهذا الجرم تكويني لا تشريعي وان جاز
كونه تشريعيا على ما وجهناه وقوله وكونها عقلا بالقوة عطف على نقص جوهرها كما
قال آنفا أو كونها بالقوة س ره .