تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
فصارت نفسا محلا للنطق والالهام قال تعالى : ( ونفس وما سويها فألهمها فجورها وتقواها ) فتسويتها بورود الروح الانساني عليها واقتطاعها عن جنس أرواح الحيوانات فتكونت النفس بتكوين الله من الروح العلوي في عالم الامر وصار تكونها منه في عالم الامر كتكون حواء من آدم ع في عالم الخلق وصار بينهما من التأليف والتعاشق كما بين آدم وحواء وصار كل واحد منهما يذوق الموت بمفارقة صاحبه قال الله تعالى : وخلق منها زوجها ليسكن إليها فسكن آدم إلى حواء وسكن الروح العلوي إلى الروح الحيواني وصيره نفسا ويتكون ( 1 ) من سكون الروح إلى النفس القلب وأعني بهذا القلب اللطيفة التي محلها المضغة اللحمية فالمضغة اللحمية من عالم الخلق وهذه اللطيفة من عالم الامر ، وكان تكون القلب من الروح والنفس في عالم الامر كتكون الذرية من آدم وحواء في عالم الخلق ولولا المساكنة بين الزوجين الذين أحدهما الروح والاخر النفس ما تكون القلب فمن القلب متطلع إلى الأب الذي هو الروح العلوي ميال إليه وهو القلب المؤيد الذي ذكره رسول الله ص فيما رواه حذيفة قال ص القلوب أربعة قلب أجرد فيه سراج يزهر ( 2 ) فذلك قلب المؤمن وقلب اسود منكوس فذلك قلب الكافر .
هامش
( 1 ) بمقتضى النكاح الساري في جميع الذراري س ره . ( 2 ) وهو نور التوحيد وما أوفق وأطبق الشكل الصنوبري الذي أشير بالسراج إليه للقلب لان قلب المؤمن العارف والحكيم عالم عقلي مضاه للعالم العيني وعالم الوجود العيني كمخروط نور رأسه عند الواجب تعالى وقاعدته عند المواد لأنه كلما قرب إلى الواجب غلب احكام الوجوب من الوحدة والبساطة وكلما قرب من المواد غلب احكام الامكان من الكثرة والتركيب وانما كان قلب الكافر اسود لان العالم في حقه كمخروط ظلمه ، وانما كان منكوسا لاخلاده إلى عالم الكثرات بلا نظر إلى وحده جامعه لها واقباله إلى عالم الصورة بلا توجه ونيل لمعنى مكتس بها اعلم أن للكفر أنواعا كما ضبطها بعض المحققين فان من لم تصل إليه الدعوة النبوية ولو في بعض الأمور لعدم سماعه أو لعدم فهمه فهو كافر كفر جهاله وهو أهون الكفار عذابا بل لا عذاب لأكثرهم لكونهم مستضعفين ومن وصلت إليه الدعوة ولم يصدق ولو ببعضها اما لاستكبار أو تقليد وتعصب للاسلاف أو غير ذلك فهو كافر كفر جحود وعذابه عظيم ومن وصلت إليه الدعوة وصدقها بلسانه وظاهره لعصمة ماله ودمه وغير ذلك وأنكرها بقلبه وباطنه فهو كافر كفر نفاق وهو أشدهم عذابا وعذابه اليم ومن وصلت إليه الدعوة فاعتقدها بقلبه لظهور حقيتها وجحد ولو بعضها بلسانه ولم يعترف حسدا وبغيا أو تقليدا أو غير ذلك فهو كافر كفر تهود وعذابه قريب من عذاب المنافق ومن وصلت إليه الدعوة فصدقها بلسانه وقلبه ولكن لا يكون على بصيرة من دينه اما لسوء فهمه أو لاستبداده بالرأي أو لاخذه من قرناء السوء أو غير ذلك فهو كافر كفر ضلاله وعذابه على قدر ضلالته ومن وصلت إليه الدعوة وصدقها بلسانه وقلبه على بصيرة واتباع للامام أو نائبه الا انه لم يمتثل جميع الأوامر والنواهي بعد اعترافه بقبح فعله فهو كافر كفر فسوق وقد يطلق الكفر وعدم الايمان في الكتاب والسنة أيضا عليه كما قال تعالى فمن كفر فان الله غنى عن العالمين وقال النبي ص : ( لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن ) * وعند بعض المتكلمين مرتكب الكبائر كافر وعند بعضهم لا مؤمن ولا كافر ثم إن هذا أيضا له العذاب وان رفع عنه الخلود إذا علمت هذا فاعلم أن اطلاق قوله ص وقلب اسود منكوس فذلك قلب الكافر يشمل الجميع وانما اخرج قلب المنافق بقسميه لان كفر النفاق أشد أنواع الكفر وانما جعل الأول المربوط على علاقة لأنه حيث لا يظهر مقتضيات كفره الباطني كان قلبه المحبوس كدابة مربوطة على وتد في محبس لا يفك عنقه ابدا . ان قلت الكافر بكفر التهود أيضا كالمنافق قلبه مربوط على علاقة حيث إنه يضمر شيئا ويبرز آخر . قلت اما أولا فقد ذكرنا انه ص يخرجه من الاطلاق لعدم بلوغه إلى حد النفاق في الفضاعة المستحق للذكر على حدة واما ثانيا فبمجرد اعتقاده الحقية لا يعد مؤمنا بل كافرا ويظهر مقتضيات كفره بخلاف المنافق وقد عده الله تعالى كافرا وجعل مثواه الدرك الأسفل من النار ثم إن القلب المصفح في القلوب كالنفس اللوامة في النفوس س ره .