تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢

نظريّات الوضع بين التكامليّة والتضاد

هذه الآراء الثلاثة التي تُطرح عادة بأدلتها التي إختصرناها في عرضنا الآنف يمكن تكميل بعضها ببعض بعد معرفة الحقائق التالية : 1 - ليس بالضرورة أنْ تكون أيّة ظاهرة طبيعية أو اجتماعية ، وليدة عامل واحد ، فقد يكون أكثر من عامل سبباً لها ، إما بصورة منفردة كما الحرارة قد تكون بسبب إشراقة الشمس أو بالنار أو بالإحتكاك ، أو بصورة مجتمعة مثل الثورة التي قد تكون وليدة عشرات العوامل الاقتصادية والسياسية والدينية . كذلك اللغة - التي هي من أسمى خصائص الإنسان حتى سُمّي بأنه حيوان ناطق - قد تكون وليدة أكثر من عامل ، فلا ريب إنّ اسم شارعك وضعه الناس أو البلدية ، كما اسم ابنك وضعتَه أنت ، ولا ريب إن اسم الهرّة باللغة الصينية والمصرية القديمة شبيهة باسمها عند الأطفال « مياو » والكلمة مأخوذة من مناسبة طبيعية بين هذا الحيوان وبين صوته . . ولا ريب أنّ الله سبحانه علّم الإنسان البيان ، سواءً عبر توفير أعضاء النطق له ، أو عبر تعليم آدم والأنبياء له ، أو عبر إلهامه إيّاه باللغة . ولاتتعارض كل تلك النظريات مع بعضها إلّا عندما نريد أن نحدِّد مدى تأثير عامل في العملية الكلية . 2 - أمّا ما ذكره أصحاب كل رأي من ملاحظات ضد الرأي الآخر فإنها لا تعدو أن تكون نوعاً من الاستبعاد ، بلا دليل كافٍ ، وفيما يلي نذكر بعضاً منها : إستدلّ المحقق النائيني على أن الواضع للغات هو الله سبحانه ، فقال : « بل الله تبارك وتعالى هو الواضع الحكيم ، جعل لكلِّ معنىً لفظاً مخصوصاً باعتبار مناسبةٍ بينهما مجهولةٍ عندنا . » « 1 » أما كيف تمَّ هذا الجعل وهذا الوضع ؟ فإنّه رأى أنه لم يكن تكوينياً محضاً ولا تشريعياً محضاً . ( فلا هو كخلق الإنسان ، ولا هو كبعث الرسل ) بل إنه يكون بالطريقة التالية التي يشرحها بقوله : « يُلْهِم الله تبارك وتعالى عباده - على اختلافهم - كلّ طائفةٍ بلفظٍ مخصوصٍ
هامش
( 1 ) - محاضرات في أصول الفقه ، ج 1 ، ص 39 .