للإضطراب والحركة نحو « النقزان » ( لقفزات الظبي ) والغليان والغثيان ، فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال .
ثم أضاف ابن الجني تأييداً لما قاله العَلمان خليل وسيبويه : « ومن ذلك قولهم شدّ الحبل ونحوه ، فالشّين بما فيها من التفشيّ تشبه بالصوت أول انجذاب الحبل ، ثم يليه إحكام الشدّ والجذب وتأريب العقد ، فيُعبَّر عنه بالدال التي هي أقوى من الشين ، لا سيما وهي مدغمة فهو أقوى لصفتها ، وأدل على المعنى الذي أريد بها .
وقد أعجب هذا الرأي بعض العلماء ، ولكنّهم لم يستمروا في البحث العميق في هذا الباب بسبب ما اعترض عليهم من القول بأن الألفاظ إذا كانت تدل على معانيها بصورة طبيعية لَعَرف الناس جميعاً كل اللغات ، وهكذا فإنّ الكلمات التي يمكن تفسيرها حسب هذه النظرية معدودة فلا يمكن أن ترجع عشرات الألوف من الكلمات ومعانيها إلى هذه النظرية المحدودة .
قالوا : مثلًا إذا كان حرف الغين يدل على الظلمة والإنطباق والخفاء والحزن كما ذهب بعضهم مستدلين بكلمة « غم » و « غيم » و « غبن » فكيف نفسِّر كلمة « غنى » و « غنج » و « غبطة » ؟
وقد ناقش البعض هذه النظريّة بأنّه لو كانت العلاقة بين اللفظ والمعنى طبيعية لكان من المفروض أن يفهم كلّ الناس كلّ اللغات . ويمكن ردّ هذه المناقشة بأمرين :
الأوّل : لعلّ لغات العالَم كانت في البدء ناشئة من لغة طبيعية واحدة ثم تفرَّعت ، كما أنَّ المبادئ العقلية عند البشر واحدة في الأصل ، إلا أنّها تغيّرت بسبب المؤثِّرات الخارجيّة .
الثاني : ألا يمكن أن تكون فطرة الناس مختلفة من شعب لآخر ، كما أنّ أذواقهم مختلفة ؟ ألا ترى كيف أنَّ الناس يختلفون في تذوّق أنواع الموسيقى وهي ذات تأثير طبيعي على الأعصاب بالنبرات ، كذلك نبرات الحروف يمكن أن تكون ذات آثار مختلفة ، ولعلّ الآية الشريفة تشير إلى ذلك حيث يقول ربنا : ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ) « 1 »
هامش
( 1 ) - الروم ، 22 .