هذه الموارد التي ذُكرت فيها كلمة الحرج ، نستفيد أبعاد ومعاريض هذه الكلمة المحورية في كتاب الله المجيد والتي تحدِّد الكثير من مفاهيم الشريعة السمحاء ؟
وهكذا يتوضَّح المحكم كلّما ضربنا له أمثلة وردت في الكتاب والسنّة ، وكلما توضَّح المُحكم عرفنا أحكام سائر الأمثلة التي لم ترد بعينها في الكتاب والسنّة ، وذلك معنى رد الفرع إلى الأصل الذي أمرنا به ، فقد جاء في الحديث :
محمد بن إدريس نقلًا عن كتاب هشام بن سالم عن أبي عبد الله ( ع ) أنّه قال :
« إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تفرعوا . « 1 » »
ويبدو إنّ كلمة الاستنباط التي وردت في سياق الحديث عن العلماء تعني انتزاع حكم فرع من عمق أصل كما يُستخرج الماء من بئر عميقة .
قال الله سبحانه : ( ولَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) . « 2 »
وهكذا قال بعضهم في معنى الفقه إنّ معناه معرفة الغائب إنطلاقاً من معرفة الشاهد ، وإذا كان الأمر كذلك فإنَّ معناه الاستفادة من المُحكم حُكْم المتشابه ، ومن الأصل حُكْم الفرع ، قال الله سبحانه : ( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) . « 3 »
وهذه المحكمات هي الحكمة التي تجري في الأحكام كما يجري النور في إنسانة العين . والله سبحانه حين مَنَّ على الأمة ، بَعَثَ فيهم رسولًا من أنفسهم ليزكّيهم ويعلِّمهم الكتاب والحكمة ، فقال سبحانه : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) . « 4 »
هامش
( 1 ) - وسائل الشيعة ، ج 18 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 6 ، ح 51 ، ص 40 .
( 2 ) - النساء ، 83 .
( 3 ) - التوبة ، 122 .
( 4 ) - الجمعة ، 2 .