تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول) — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
والواقع إنّ ملاك البحث هنا هو الذات المتلبس بصفة معيّنة يمكن انتزاعها منه مع بقاء ذلك الذات بعد الانتزاع عند العرف ، أمّا مع عدمه عرفاً فلا ، مثل الإنسان الذي لو مات وأصبح تراباً لايُسمّى إنساناً ، لأنَّ عنوان " الإنسانية " يزول أبداً بزوال ملامحه ، ولا يقال لتراب المقابر إنه أمة من الناس إلّا تجوّزاً ، كما قال الشاعر :
خفِّف الوطأ فما أظن * أديم الأرض إلّا من هذه الأجساد رُبَّ لحدٍ صار لحداً مراراً * ضاحكاً من توارد الأضداد .
وهكذا من المجاز استعمال ظرف الزمان في المنقضي مثل يوم 13 رجب ميلاد الإمام علي عليه السلام ، فإنّ استعمال هذا التأريخ إنما هو بلحاظ ذكرى ميلاده ، وكذلك يوم عاشوراء يوم شهادة الإمام الحسين عليه السلام فإنه يُسمّى ذلك بلحاظ يوم وقوع الحادثة أي بتاريخ سنة 61 هجرية . أما اسم المكان ، مثلًا موقع معركة بدر ، فإنه أيضاً يمكن البحث فيه باعتبار بقاء الذات ( مكان الواقعة ) وانقضاء الحادثة ( معركة بدر في عهد النبي صلى الله عليه وآله ) . وفي مثل هذه الأيام أو المواقع ، إنما يصح استعمال اللفظ إذا بقيت آثار الحوادث التي وقعت فيها ، مثل قوله سبحانه : ( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ ) « 1 » وقوله سبحانه : ( وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) « 2 » . ففي مثل هذه الموارد ، المسوّغ لاستخدام اسمي الزمان والمكان بعد انقضاء الحدث هو بقاء آثارها ، فكأنَّ الحدث لا يزال موجوداً وهذا بالضبط ما يسمى عندهم بلحاظ حالة التلبس .

ثانيا : أنماط المشتق

تعلّق الحدث بذاتٍ ، والذي نعبِّر عنه بالمشتق ، ليس بنمطٍ واحدٍ ، فهناك أقسام مختلفة للمشتق ذكرها بعض الفقهاء ، وفيما يلي بعض التفصيل في هذا الشأن لما فيه من فائدة كبيرة في فهم المشتق . أ - نمط الحالات التي يتلبّس بها الشخص وقتاً ثم لا يلبث أن ينقضي ، مثل القيام
هامش
( 1 ) - إبراهيم ، 5 . ( 2 ) - البقرة ، 125 .