ومن أجل الّا يسترسل الحاكم في مثل هذا التصرف ، يأمره الإمام ( عليه السلام ) بأن يملك حمية أنفه ، فلا يطغيه موقعه كحاكم ، وكذلك عليه أن يملك سورة حده وسطوة يده وغرب لسانه ، فلا يبادر باستخدام سلطته وقوته وبلاغته من أجل ظلم الناس ، وعليه أن يحتاط على نفسه ودينه من سوء استخدام السلطة ، وذلك بالكف عن التسرّع ، بل يفكر ملياً قبل أن يقوم بأيّ عمل ، وأن يؤخر السطوة حتى يسكن في نفسه الغضب ويكون متسلطاً على أعصابه .
ويبقى سؤال : كيف يمكن للبشر أن يتسلط على نفسه ويكبح جموحها ؟ فيجيب الإمام ( عليه السلام ) عن ذلك بضرورة ذكر المعاد ، وكيف يقف الإنسان - مهما كان موقعه السياسي والاجتماعي - وحيداً فريداً أمام ربه ليحاسبه حساباً دقيقاً عما فعله .
يقول الإمام ( عليه السلام ) :
وَإِيَّاكَ وَالإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا وَحُبَّ الإِطْرَاءِ « 1 » ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ .
وَإِيَّاكَ وَالْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ ، أَوِ التَّزَيُّدَ « 2 » فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِكَ ، أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ ، فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الإِحْسَانَ ، وَالتَّزَيُّدَ يَذْهَبُ بِنُورِ الْحَقِّ ، وَالْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ « 3 » عِنْدَ اللَّهِ وَالنَّاسِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى :
( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) .
هامش
( 1 ) - الاطراء : المبالغة في الثناء .
( 2 ) - التزيّد - كالتقيّد - : إظهار الزيادة في الاعمال عن الواقع منها في معرض الافتخار .
( 3 ) - المقت : البغض والسخط .