تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥
وأقول على تقدير ان يكون لها نفوس غير منطبعة في مادة متوجهه نحو كمال فلا يلزم ان يكون كمالها كمالا عقليا حتى يلزم دخولها في باب الانسانية وارتقاء نفوسها ( 1 ) بحسب هوياتها الشخصية إلى عالم العقل على أن كثيرا من الناس ليس لهم في النشأة الآخرة درجه عقلية ولهم مع ذلك لذات خيالية وابتهاجات حيوانية وسعادات ظنية هي الغاية القصوى في حقهم إذ لا شوق لهم إلى ( 2 ) العقليات ولا نصيب لهم من الملكوت الاعلى وليس لكل ذي نفس ان يتوجه إلى غاية عقلية وكمال مطلق والتوجه إلى كمال ما لا يوجب الدخول إلى باب الانسان ولا يلزم منه منع عن الكمال إذ من المحال منع المستحق عما يستحقه بخصوصه وعن الكمال اللائق بحاله كالكمال المطلق والخير المحض إذ ربما لا يناسبه ولا يستعده لا بشخصه ولا بنوعه كالانسان ثم على تسليم ان لها استعدادا نحو الكمال العقلي فلا نسلم ان ذلك يستدعى اجتيازها إلى الدرجة الانسانية وتخطيها إياها فان الطرق إلى الله والى دار ملكوته لا تنحصر في باب واحد كما قال تعالى فلكل وجهه هو موليها وكقوله تعالى ما من دابة الا هو آخذ بناصيتها ان
هامش
( 1 ) وان ارتقت أبدانها كما ترى ان النبات والحيوان يصيران غذاءا للانسان وقيد بحسب هوياتها إشارة إلى أن نفوسها أيضا بحسب استهلاكها في النفس الانسانية ترتقي إلى عالم العقل بعين ارتقاء النفس الانسانية إليه تمثيل الانسان كالطفل اللطيف المرتضع وعالم الطبيعة كالأم والمكان كالمهد والزمان كالمربية والنبات والحيوان كالثديين لتلك الام ولما كان ذلك الطفل لطيفا في غاية اللطافة ولم يمكن ان يتغذى بكل غذاء فج غليظ كالنبات المتغذي بالماء الممزوج بالتراب وغيره والحيوان المتغذي بكل نبات وغيره لأنهما لكثافتهما خفيفتا المؤونة دبر العناية لذلك الطفل اللطيف المعتدل المزاج أعني الانسان ثديين أعني النبات والحيوان حتى ينضج ويصفى العناصر فيهما لكي تناسبه فيغتذي بهما كما أن الغذاء الذي يأكله الانسان لا يناسب الأطفال فلا جرم تستولي عليه الطبيعة التي من خدم النفس التي في الام ويتصرف فيه مغيرة ثديهما فيصير لبنا سائغا يحتمله بنية الطفل الرضيع فبهذا المعنى قلنا إن النبات والحيوان غذاء الانسان س ره ( 2 ) بل قد فروا منها فرار المزكوم من رائحة المسك ومن لا معرفه له كيف يشتاق إلى عالم المعنى ويناله وقد قالوا المعرفة بذر المشاهدة وقال تعالى من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى