Skip to main content

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة — Page 204

Contributors:

P.204
في سلك واحد لا يجمعهما دار واحده فحينئذ طلب المكان لهما غير صحيح وأنت تعلم أن الحق هو الثاني الا ان يراد بكونهما واحدا ضربا آخر من الوحدة فان العوالم والنشئات متداخلة في المعنى والقوام لا في الوضع والامتداد مع كون كل منهما عالم تاما ولا ترى ان أهل العالم متفقون على قولهم هذا العالم وذلك العالم حسبما ورثوه من أسلافهم ومقدميهم ولو كان المجموع عالما واحدا كان هذا القول باطلا ولا يصح ان يقال هذا الاطلاق من قبيل قولهم عالم العناصر وعالم الأفلاك وعالم الحيوان لأن هذه أقوال مجازية على سبيل التشبيه فان الدنيا والآخرة لو لم يكونا عالمين تامين فلا يكون في الوجود عالم تام لان المجموع ليس منتظما في سلك واحد الا بان يكون أحدهما باطن الاخر والاخر ظاهره كما أشرنا إليه وهذا كلام آخر فيه غموض فإذا لم يكونا مع مباينه كل منهما للاخر في الوجود مما يشملهما عالم آخر فلا محاله كل منهما عالم تام كما أطلق القول عليه في السنة الشريعة ان لله سبحانه عالمين الدنيا والآخرة ومما يوضح أيضا القول بان الآخرة ليست من جنس هذا العالم ان الآخرة نشأة باقية يتكلم ( 1 ) الانسان فيها مع الله وهذه نشأة داثرة بائدة أهلها هالكة الذوات ولا ينظر إليهم واختلاف اللوازم يدل على اختلاف الملزومات واما مكالمة الأنبياء مع الله تعالى ومخاطبه سيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم معه تعالى ليله المعراج فهي من ظهور سلطان الآخرة على قلوبهم ومما يدل على ذلك قوله تعالى وننشأكم فيما لا تعلمون فإنه صريح في أن نشأة الآخرة غير نشأة الدنيا وبالجملة فنحو وجود الآخرة غير نحو وجود الدنيا ولو كانت الآخرة من جوهر الدنيا لم يصح ان يقال إن الدنيا يخرب والآخرة دار القرار لان الدنيا انما هي دنيا بالجوهر والوجود لا بالعوارض الشخصية والمخصصات الخارجية والا لكان كل سنه بل كل يوم دنيا أخرى لتبدل الاشكال والهيئات والتشخصات ولكان القول بالآخرة تناسخا ولكان المعاد عبارة عن عمارة الدنيا بعد خرابها واجماع العقلاء على أن الدنيا تضمحل وتفنى ثم لا تعود ولا تعمر ابدا فقد ثبت وتحقق ان الدنيا والآخرة مختلفتان
Footnote
( 1 ) مثل قوله تعالى رب ارجعوني لعلى اعمل صالحا ووجه آخر للتكلم هو انه صار مظهريته لصفات الله أقوى وتلقيه لكماته التكوينية أتم س ره