تناهى في اعتقاد باطل أو ارتكاب محظور ولا يكون منه تلفّت بوجه إلى الحقّ يورثه ذلك هيئة تمرّنه على استحسان المعاصي وكانّما يختم بذلك على قلبه . وعلى ذلك : أولئك الّذين طبع اللَّه على قلوبهم وسمعهم وابصارهم . وعل هذا النّحو استعارة الاغفال في قوله عزّ وجلّ : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا . واستعارة الكنّ في قوله تعالى : وجعلنا على قلوبهم اكنّة أن يفقهوه . واستعارة القساوة في قوله تعالى : « وجعلنا قلوبهم قاسية » . « 1 »
وجملة القول انّ مثل هذه الآيات كلها قريبة المخرج لها معنى واحد ، لانّ القسوة بمعنى الصّلابة ، والزيغ بمعنى الميل عن الاستقامة ، والرّين بمعنى الصّداء وهو ضدّ الجلاء ، والختم والطّبع بمعنى السّدّ ، والكنّ بمعنى الحجاب ، والغشاوة ايضاً كذلك . وكلّها - كما أشار إليه الرّاغب - كناية وإشارة إلى ميل القلب عن الاستقامة وحصول ملكة الطّغيان له .
وهذه الملكة كما صرّح به الذكر الحكيم تحصل بالأفكار الفاسدة والافعال الرّدية ، وهذا هو مرادنا من انّ الافكار والأقوال والافعال توجد بالملكات . وهو واضحٌ .
هذا كلّه يتعلّق برذائل الملكات وهذا الحكم يجري في فضائلها أيضاً . وقد صرّح بذلك التنزيل المبين ايضاً في آيات كثيرة ، نورد بعضها هيهنا :
« يا أيّها الّذين امَنوا استجيبُوا للَّهو لِلرّسول إذا دعاكم لما يحييكم » . « 2 »
« أَوَ مَنْ ميتاً فَأَحْيَيْناه وجَعَلْنا لَهُ نوراً يَمْشى به في الناس كمن مَثَلُهُ في الظّلمات ليس بخارج منها كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون » . « 3 »
« أفمن شَرَحَ اللَّه صدره للاسلام فهو على نورٍ من ربّهِ فويل للقاسيةِ قلوبهم من ذكر اللَّه أولئك في ضلالٍ مبين » . « 4 »
« فمن يرد اللَّهُ أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً
هامش
( 1 ) - المفردات ، ص 143 ، ذيل كلمة ختم .
( 2 ) - الأنفال / 24 .
( 3 ) - الانعام / 122 .
( 4 ) - الزّمر / 22 .