فإذا قيل في الله تعالى : بلى كذا وأبلاه ، فليس المراد منه إلا ظهور جودته ورداءته دون التعرف لحاله والوقوف على ما يجهل من أمره ، إذ كان الله علَّام الغيوب .
وعلى هذا قوله عز وجل : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ . « البقرة : 124 » . ويقال : أَبْلَيْتُ فلاناً يميناً : إذا عرضت عليه اليمين لتبلوه بها .
ملاحظات
1 . جعل الراغب كل فروع بَلِيَ وابْتَلَى أصلاً واحداً من بَلِيَ الثوب ولم يذكر بَلَوَ .
وذكر قولهم : بِلْوُ سفر ، وفسره بأبلاه السفر ، وهم يقصدون أنه قويٌّ على السفر ! وجعله الراغب للإنسان وهو للناقة ، يقولون : نِضْوُ سفر ، وبِلو سفر .
أما ابن فارس فجعل بَلِيَ وبَلَوَ أصلين من بلي الثوب ، لكن المادة أوسع من ذلك .
قال ابن فارس « 1 / 192 » : « أصلان ، أحدهما : إخلاق الشئ . والثاني : نوع من الاختبار ، ويحمل عليه الإخبار أيضاً ، يقول العرب : أبلِني كذا ، أي أخبرني فيقول الآخر : لاأبليك . ومنه حديث أم سلمة حين ذكرت قول النبي صلى الله عليه وآله : إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه ، فسألها عمر أمنهم أنا ! فقالت لا ، ولن أبلي أحداً بعدك . أي لن أخبر » .
2 . لم يَستعمل القرآن بَلِيَ للثوب واستعملها ضد الخلود : وَمُلْكٍ لا يَبْلَى . « طَهَ : 120 »
واستعمل بَلَى وأَبْلَى وابتلى بشكل واسع بمعنى الاختبار والامتحان .
واستعمل بَلَوْنا ونَبْلُو ويَبْلُو ، متعدياً بالباء : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً « الأنبياء : 35 » .
ومتعدياً بفي : لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ . « الأنعام : 165 » . ومجرداً : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . « الملك : 2 » .
وابْتَلَى ويَبتلي ونَبتلي وابْتُلِيَ ، متعدياً بفي : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ . « آل عمران : 186 » .
وبالباء : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ « البقرة : 124 » .
ومجرداً : هُنَالِكَ ابْتُلِي الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا . « الأحزاب : 11 » .
واستعمل أبلى مرة واحدة : وَلِيُبْليَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا . « الأنفال : 17 » .
وتُبْلى في آية واحدة للسرائر : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ . « الطارق : 9 » . أي يوم تظهرفيها نتيجة الابتلاء .
وكذا تَبْلُو في آية واحدة للنفس : هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ . « يونس : 30 » . أي ترى نتيجته .
واستعمل الابتلاء للنوايا ، والتمحيص لنتائج الأعمال في القلوب ، فقال عز وجل : وَلِيَبْتَلِي الله مَا فِي صُدُورِكُمْ ، وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . « آل عمران : 154 » .
3 . لم أجد تفريقاً مقنعاً بين البلاء والابتلاء ، ويفهم من تتبع مواردهما أن البلاء قانون إلهي عام ، عليه قامت الحياة على الأرض ، قال تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . « الملك : 2 » . إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . « الكهف : 7 » . وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . « هود : 7 » .
ويكون البلاء بالشر وبالخير : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر . « الأنبياء : 35 » لِيَبْلُوَنِى أشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ . « النمل : 40 » .
ومنه البلاء بالرزق : لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ . « الأنعام : 165 » .
وبلاء العقوبة : نَبْلُوهُمْ بِمَا كَأنوا يَفْسُقُونَ . « الأعراف : 163 » .
وبلاء الصراع بين أولياء الله وأعدائه : وَلَوْ يَشَاءُ الله لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ « محمّد : 4 » .
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي — صفحة 144
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص١٤٤