التنزيل ليس جعل الأمارات علما ، بل معناه ان اثر العلم مترتب عليها بدون التصرف فيها ، هذا مضافا إلى ما تقدم من أن التصرف فيها تكوينا غير معقول ، واما تشريعاً فهو ان كان معقولًا إلّا انه لغو ووجوده كعدمه فلا اثر له ، فاذن لا محالة يكون تقديمها عليها بملاك اخر كالقرينية ونحوها كما سوف نشير اليه .
القول الثاني : ان تقديمها عليها من باب الورود ، وقد استدل عليه بأمور :
الأمر الأول : ان المراد من العلم المأخوذ في لسان أدلة الأصول العملية الشرعية مطلق الحجة الشامل للعلم الوجداني والأمارات المعتبرة شرعاً .
وعلى هذا ، فالأمارات حيث إنها حجة شرعاً فهي رافعة لموضوع الأصول العملية الشرعية ، لان موضوعها مقيد بعدم الحجة ، فإذا قامت الحجة انتفى موضوعها بانتفاء قيدها وجدانا .
والجواب ، ان إرادة مطلق الحجة من العلم المأخوذ في لسان أدلة الأصول العملية الشرعية وان كانت ممكنة ثبوتاً إلّا انه بحاجة إلى دليل في مقام الاثبات ، ولا دليل عليه لا في نفس أدلتها ولا من الخارج ، فاذن لا يمكن ان يراد من العلم المأخوذ في لسان أدلتها مطلق الحجة .
الأمر الثاني : ان المراد من الحكم الذي هو متعلق العلم في مثل قولة عليه السلام : « كل شيء حلال حتى تعرف انه حرام » أو قوله عليه السلام : « رفع مالا يعلمون » وهكذا أعم من الحكم الواقعي والظاهري لا خصوص الحكم الواقعي .
وعليه ، فإذا قامت امارة على حرمة شيء كحرمة شرب التتن مثلا ، فهي علم وجداناً بحرمة شربه ظاهراً وان كانت ظناً بحرمته واقعاً ، وحيث إن المراد من الحكم الذي هو متعلق عدم العلم أعم من الحكم الواقعي والظاهري فيكون العلم بالحكم الظاهري رافعاً للحكم بارتفاع موضوعه وجداناً ، ويكون التقديم
المباحث الأصولية — صفحة 152
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص١٥٢