وأما الصنف الثالث : هو قوله تعالى
( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )
« 1 » فهو ظاهر في عدم جواز اتباع غير العلم ، ومقتضى إطلاقه عدم جوازه في الأصول والفروع .
وهل هذه الآية ظاهرة في الإرشاد إلى عدم حجية غير العلم كالظن ونحوه ، أو في الإرشاد إلى أن غير العلم لا يكون مؤمناً ؟
والجواب : ان الظاهر هو الأول ، لأنه مقتضى مناسبة الحكم والموضوع الأرتكازية دون الثاني ، لأنه لا يناسب مع ظهور الخطاب الشرعي في المولوية ، هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى ، لا يبعد ان يكون المراد من العلم في الآية مطلق الحجة ، والتعبير عنها بالعلم باعتبار انه من أظهر مصاديق الحجة وأفرادها ، وذلك بقرينة ذيل الآية وهو قوله تعالى :
( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا )
فإنه قرينة على أن المراد من العلم مطلق الحجة ، باعتبار ان متابعة الحجة ترفع المسؤولية أمام الله تعالى وان لم تكن علماً ، ولا خصوصية للعلم الوجداني في ذلك .
فإذن تدل الآية المباركة على عدم جواز الاعتماد على كل ما لا يكون حجة بدون الدلالة على تعيين الصغرى ، فما كان حجة شرعاً جاز الاعتماد عليه والاستناد به ، وما لا يكون حجة لا يجوز الاستناد به والاعتماد عليه ، وأما ان أي شيء يكون حجة في الخارج ، فالآية لا تدل عليه ، لأنها غير ناظرة إلى موضوعها في الخارج لانفياً ولا أثباتاً كما هو الحال في جميع القضايا الحقيقية .
وعلى هذا فالآية لا تدل على أن السيرة ليست بحجة ، وحينئذٍ فإذا ثبتت حجيتها شرعاً بالامضاء ، جاز العمل بها والاستناد إليها وتخرج عن موضوع الآية
هامش
( 1 ) سورة الإسراء : 36 .