تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المباحث الأصولية — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
الرابعة : أن إقامة البرهان على السلطنة والقدرة للانسان على أفعاله وإن كانت صعبة إلّا أنه لا حاجة إليها بعدما كانت المسألة فطرية وجدانية ، لأن الوجدان السليم والعقل الفطري حاكم بسلطنة الانسان على أفعاله وتصرفاته بمختلف أنواعها وأشكالها ، ومن هنا لا يختلف اثنان من العقلاء في أن تلك التصرفات والأفعال مورد للحسن والقبح والحساب والعقاب والمدح والذم ، ولهذا يفرقون بين الأفعال الاضطرارية وهي الأفعال التي تصدر من الانسان بغير اختيار كحركة يد المرتعش واصفرار وجه الخائف عند الخوف أو ارتعاش يديه أو حركة أمعائه وما شاكل ذلك ، وبين الأفعال الاختيارية التي تصدر منه بسلطنته وقدرته ، فان الأولى لا تكون مورداً للحساب والعقاب والمدح والذم والحسن والقبح دون الثانية ، وهذا الفرق غير قابل للانكار ، فان انكاره إنكار للوجدان والفطرة السليمة . والخلاصة : أن سلطنة الانسان على أفعاله وتصرفاته صفة وجدانية في النفس كسائر صفاتها الوجدانية كالحب والبغض والخوف وما شاكل ذلك ، فلذا لا مجال للبحث عن أن الانسان مالك لهذه الصفة أو لا ، فإنه كالبحث عن أنه مالك لصفة الحب والبعض ونحوهما . ويؤكد ذلك أن الانسان كثير مايرجح أحد طرفي الفعل على الآخر بلا مرجح ، فلو كان صدور الفعل من الانسان منوطاً بقاعدة أن الممكن مالم يجب وجوده لم‌يوجد ، استحال صدور الفعل منه بلا مرجح يوجب وجوب وجوده مع أن امكان صدوره منه بدون أي مرجح أمر وجداني ، كما إذا كان عنده إناءان من الماء متساويان من جميع الجهات بدون أي مرجح لأحدهما على الآخر ، فإنه لا محالة اختار أحدهما ولا يبقى عطشاناً ، فلو كان صدور الفعل متوقفاً على وجود مرجح بقاعدة الوجوب بالعلة لبقي عطشاناً وهو كما ترى ، ومنه ما إذا كان أمام الهارب طريقان بدون ترجيح