تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المباحث الأصولية — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
المذكور في ضرورة صدور الفعل منه لكان تشريع الشرائع الهياً وعقلائياً لغواً محضاً ، ومن الواضح أن صدور اللغو من الله تعالى مستحيل ، فالنتيجة أن نفس تشريع الشرايع دليل قطعي على أن صدور الفعل من الانسان إنما هو بالسلطنة والاختيار لا بالضرورة والوجوب ، وكذلك حكم العقلاء بحسن العدل وقبح الظلم شاهد قطعي على أن الانسان مختار في فعله لا أنه مضطر . إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن مبادئ الفعل بيده تعالى حدوثاً وبقاءً وهو يمدها ويفيض عليها تدريجاً ، باعتبار آنهاليست شيئاً وراء ارتباطها بقدرته تعالى وسلطنته ، وفي أي لحظة انقطع هذا الارتباط بانقطاع الإفاضة تنتهي تلك المبادئ وتنعدم وتوقف العبد عن الفعل في نفس اللحظة ، وهذه المبادئ هي المقدمة الأولى لفعل الانسان ، وأما المقدمة الثانية له المباشرة فهي سلطنة الانسان على الفعل واختياره ، فإنه يوجد باختياره وسلطنته طالما تتوفر تلك المبادئ فيه ، وبانتفاء كل من المقدمتين ينتفي الفعل هذا من جهة ، ومن جهة أخرى أن نظرية الأمر بين الأمرين نتيجة حتمية لهاتين المقدمتين وهما من القضايا الضرورية الفطرية . أما المقدمة الأولى فلانها ترتكز على مبدأ العلية بمعناه الواقعي ومغزى ضرورة حاجة الممكن إلى هذا المبدأ ، وقد تقدم أن مبدأ العلية من أوليات ما يدركه البشر فطرة في حياته الاعتيادية كنظام عام للكون ، كما أنه تقدم أن مغزى حاجة الممكن إليه كامن في صميم جوهر ذاته وكيانه الوجودي ، وهذا يعني أنه ليس له وجود وراء ارتباطه بالعلة ارتباطاً ذاتياً وإلّا لكان مستقلا ، فلا يعقل أن يكون معلولا لعلة ، ولا فرق في ذلك بين المعلول لعلة طبيعية والمعلول لسلطنة الفاعل واختياره ، فإنه في كلا الموردين ليس له وجود وراء تعلقه وارتباطه
المباحث الأصولية — صفحة 151 | الشيخ محمد إسحاق الفياض