من ذهب . فإن لم يكن هذا وادّعى أنّه مبلّغ دين فقط عن ربّ العالمين ، فهلّا جاء معه الملائكة مقترنين يبلّغون دين ربّ العالمين معه ويشهدون له بأنّه رسول ربّ العالمين .
من الظّاهر أنّ فرعون اعتمد أسلوب المغالطات في إقناع قومه المصريّين بأنّ موسى عليه السّلام ، يسعى إلى انتزاع الملك من أصحابه الشّرعيّين فرعون وأسرته من قبله ومن بعده ، وأنّ قضيّة الدّين الّذي يدعو إليه قناع يستخفي به ، وأنّ الخوارق والعجائب الّتي أتى بها نوع من أنواع السّحر .
ومن الظّاهر أنّه وجد جماهير قومه من المصريّين ليس لهم وزن فكريّ ثقيل ، يستطيعون به إدراك سفسطاته ومغالطاته ، ومن الظّاهر أيضا أنّه نشر أعوانه لاسترضاء زعماء قومه بما يحبّون من أهواء وشهوات ، لما يعلم من أنّهم عبيد أهوائهم وشهواتهم فهم ينجذبون إليها بخفّة ، وينبذون منطق الحقّ والخير والرّشد والفضيلة .
فجاء قول اللّه تعالى مبيّنا هذا الواقع :
*
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
( 54 ) :
أي : فعمل فرعون بحيله المغالطيّة ، ووسائله الإغرائيّة ، الّتي جعل بها قومه غير ذوي أوزان فكريّة ، وغير ذوي أوزان اتّئاديّة ، تريّثية ، متأنّية ، تتربّص حتّى تفكّر وتدرك غرض فرعون من حيله ووسائله .
فاستخفّ قومه فكريّا ونفسيّا ، فانجذبوا إليه ، فأعلنوا طاعتهم له ، طمعا بما وعدهم به من مغريات ، وفتح أبواب أهوائهم وشهواتهم وأطلقهم في أوحال الفسق ، فتبعوه منطمسة بصائرهم ، إنّهم كانوا قوما فاسقين .
الفاسق : هو الّذي من عادته الخروج عن الحقّ والواجب والخير والفضيلة ، اتّباعا لأهوائه وشهواته ورغباته من متاعات الحياة الدنيا .